(الحاء والزاء والباء) أصل واحد وهو تجميع الشيء، فمن ذلك الحزب الجماعة من الناس، والطائفة من كل شيء حزب، يقال: قرأ حزبه من القرآن، والحزب: الورد، وورد الرجل من القرآن والصلاة حزبه، والحزب: «ما يجعلُه الرجل على نفسه من قراءة وصلاةٍ كالورد» (^٢).
والأصل في التحزيب ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، قال: كنت أصوم الدهر وأقرأ القرآن كل ليلة، قال: فإمَّا ذكرت للنبي ﷺ، وإما أرسل إلي فأتيته، فقال لي: «ألم أخبر أنك تصوم الدهر وتقرأ القرآن كل ليلة؟» فقلت: بلى، يا نبي الله، ولم أرد بذلك إلا الخير، قال: «فإنَّ بحسبك أن تصوم من كل شهر ثلاثة أيام» قلت: يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال «فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزورك عليك حقًّا، ولجسدك عليك حقًّا» قال: «فصم صوم داود نبي الله ﷺ، فإنه كان أعبدَ الناس» قال قلت: يا نبي الله، وما صوم داود؟ قال: «كان يصوم يومًا ويفطر يومًا» قال: «واقرأ القرآن في كل شهر» قال قلت: يا نبي الله، إنِّي أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كل عشرين» قال قلت: يا نبي الله، إني أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كل عشر» قال قلت: يا نبي الله، إنِّي أطيق أفضل من ذلك، قال: «فاقرأه في كل سبع، ولا تزد على ذلك، فإن لزوجك عليك حقًّا، ولزورك عليك حقًّا، ولجسدك عليك حقًّا» قال:
_________________
(١) تلقي النبي ﷺ ألفاظ القرآن الكريم، للمجيدي: (١٩٧).
(٢) انظر: مقاييس اللغة، لابن فارس: (٢/ ٥٥)، ولسان العرب، لابن منظور: (١/ ٣٠٨).
[ ٥٩ ]
فشددت، فشدد علي. قال: وقال لي النبي ﷺ: «إنك لا تدري لعلك يطول بك عمر» قال: «فصرت إلى الذي قال لي النبي ﷺ، فلما كبرت وددت أني كنت قبلت رخصة نبي الله ﷺ» (^١).
وعن أوس بن حذيفة، قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، فنزلوا الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله ﷺ بني مالك في قبة له، فكان يأتينا كل ليلة بعد العشاء فيحدثنا قائمًا على رجليه، حتى يراوح بين رجليه وأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه من قريش ويقول: «ولا سواء، كنا مستضعفين مستذلين، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم، نُدَال عليهم ويدالون علينا»، فلما كان ذات ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلت: يا رسول الله لقد أبطأت علينا الليلة قال: «إنه طرأ علي حزبي من القرآن فكرهت أن أخرج حتى أتمه»، قال أوس: فسألت أصحاب رسول الله ﷺ كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: (ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل) (^٢).
_________________
(١) رواه مسلم: (١١٥٩).
(٢) رواه أحمد: (١٩٠٢١)، وأبو داود: (١٣٩٣)، وابن ماجة: (١٣٤٥). ولفظ أحمد: «عن عثمان بن عبد الله بن أوس الثقفي، عن جده أوس بن حذيفة قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﷺ أسلموا من ثقيف من بني مالك، أنزلنا في قبة له، فكان يختلف إلينا بين بيوته وبين المسجد، فإذا صلى العشاء الآخرة انصرف إلينا، فلا يبرح يحدثنا ويشتكي قريشا، ويشتكي أهل مكة ثم يقول: «لا سواء، كنا بمكة مستذلين أو مستضعفين، فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب علينا ولنا»، فمكث عنا ليلة لم يأتنا حتى طال ذلك علينا بعد العشاء. قال: قلنا: ما أمكثك عنا يا رسول الله؟ قال: «طرأ علي حزب من القرآن، فأردت أن لا أخرج حتى أقضيه». فسألنا أصحاب رسول الله ﷺ حين أصبحنا؟ قال: قلنا: كيف تحزبون القرآن؟ قالوا: نحزبه ست سور، وخمس سور، وسبع سور، وتسع سور، وإحدى عشرة سورة، وثلاث عشرة سورة، وحزب المفصل من (ق) حتى تختم».
[ ٦٠ ]
ففي هذين الحديثين أصلٌ لتحزيب القرآن، وتقسيمه حتى يسهل تعاهده، وقد اشتهر هذا التحزيب عند الصحابة ﵃.
فقد كان أصحاب رسول الله ﷺ يقسمون القرآن ويحزبونه، قالت عائشة ﵂: «إني لأقرأ جزئي - أو قالت: حزبي - وإني لمضطجعة على السرير» (^١).
وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: «لا يقرأ القرآن في أقل من ثلاث، اقرؤه في سبع، ويحافظ الرجل كل يوم وليلة على جزئه» (^٢).
قال ابن تيمية: «فالصَّحابة إنما كانوا يحزبونه سورًا تامة، لا يحزِّبون السورةَ الواحدة».
ثم قال: «وفيه أنَّهم حزبوه بالسور وهذا معلوم بالتواتر؛ فإنَّه قد علم أن أول ما جزئ القرآن بالحروف تجزئة ثمانية وعشرين وثلاثين وستين، هذه التي تكون رءوس الأجزاء والأحزاب في أثناء السورة وأثناء القصة ونحو ذلك، كان في زمنِ الحجاج وما بعده وروي أنَّ الحجاج أمر بذلك.
ومن العراق فشا ذلك، ولم يكن أهل المدينة يعرفون ذلك.
وإذا كانت التجزئة بالحروفِ محدثة من عهد الحجاج بالعراق، فمعلومٌ أن الصحابة قبل ذلك على عهد النبي ﷺ وبعده كان لهم تحزيب آخر؛ فإنهم كانوا يقدرون تارة بالآيات فيقولون: خمسون آية، ستون آية. وتارة بالسور، لكن
_________________
(١) رواه عبد الرزاق في مصنفه: (١/ ٣٤٠)، ورواه ابن أبي شيبة: (٧/ ١٩٠).
(٢) رواه عبد الرزاق في مصنفه (٥٩٤٨)، من حديث ابن مسعود، والطبراني في الكبير (٨٧٠٧)؛ والبيهقي (٢/ ٣٩٦)، قال ابن حجر في الفتح (٩/ ٧١٤): «عند سعيد بن منصور بإسناد صحيح».
[ ٦١ ]
تسبيعه بالآيات لم يروه أحد ولا ذكره أحد فتعين التحزيب بالسور، … والمقصود أن التحزيب بالسورة التامة أولى من التحزيب بالتجزئة» (^١).