مجالس القرآن هي مجالس النور، والقرآن قد جاء من عند الله، والذي جاء به روح مطهرة، فما للأرواح الخبيثة عليه سبيل.
والذي يصطفيه الله تعالى لمجالس القرآن مصطفى، «لأن القرآن لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، ولا يحمله بحقه إلا المؤمن، ولا ينال معانيه ويفهمه كما ينبغي، إلا القلوب الطاهرة، وإنَّ القلوب النجسة ممنوعة من فهمه، مصروفة عنه» (^١).
ومشروع (مجالس القرآن) - كما يقول الأنصاري -: «مسلكٌ تربوي مبَسَّط؛ لسلوك طريق النور؛ قصد التعرف إلى الله! مشروعٌ ليس لنا فيه من الاجتهاد إلا الجمع والترتيب، ومراعاة التنزيل في واقع جديد! نأخذه كما هو من القرآن والسنة النبوية. مشروعٌ لا مِنَّةَ فيه لأحد، إلا لله! ولا فضل فيه لمبدع أو مخترع، وإنما هو كلام الله! ولا انتماء فيه لقائد أو رائد، ولا لتنظيم أو جماعة! بل هو انتساب تعبدي لله! غايته أن نسعى جميعًا - أنا وأنت، ومن شرح اللهُ صدرَه للقرآن - للاستظلال بحقيقة مُسَمَّى: (عبد الله)!
_________________
(١) محاسن التأويل: (٩/ ١٣٢).
[ ١٠٣ ]
(مجالسُ القرآن) عَرْضٌ متجدد لموائد الروح! فهذا القرآن العظيم أمامك الآن! هذا كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه! هذا نور الوحي، وطريق الهدى! فاقرأ وافْقَهْ عن الله! فهذه السور والآيات تخاطبك أنت بالذات! أنت، نَعَم أنت! إنها - إن أنْصَتَّ بصدق - تخاطبك الآن في زمانك هذا، وفي ظروفك هذه! ﴿فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ [طه: ١٣]! استمع إن كنت من المؤمنين بالله حقًّا، الراغبين في التلقي عنه تعالى صِدْقًا!
فعندما يجتمع الْجُلَسَاءُ متحلقين بمجالس القرآن، ويشرعون في الاشتغال بكتاب الله جل علاه؛ فإنما هم في الحقيقة يَصِلُونَ أرواحَهم بحبل الله النوراني مباشرةً، ويربطون مصابيح قلوبهم بمصدر النور الأكبر! فإذا بهم يستنيرون بصورة تلقائية، وبقوة لا نظير لها! وذلك بما اقتبسوا من نور الله العظيم! وإذا بهم يترقون بِمَعَارِجِ القرآن ومَدارِجِه إلى مشاهدة حقائق الإيمان، مشاهدةً لا يُضَامُونَ فيها شيئًا! وما كان للزجاج البلوري إذا أشرقت عليه أنوار الحقائق القرآنية إلا أن يكون مُشِعًّا! وذلك هو مَثَلُ أهل الخير المصلحين في الأرض، وَرَثَةِ الأنبياء من الربانيين والصِّدِّيقين!».
وفي الحديث (^١) «إنَّ لله ﵎ ملائكة سيارة، فضلًا يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكر قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضا بأجنحتهم، حتى يملئوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله ﷿، وهو أعلم بهم: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا،
_________________
(١) رواه البخاري: (٦٤٠٨)، ومسلم: (٢٦٨٩).
[ ١٠٤ ]
أي رب قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب، قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون: رب فيهم فلان عبد خَطَّاء، إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» (^١).
وقد وضع الأنصاري ﵀ عدة ضوابط لإنجاح مجالس القرآن، وتلخيصها كالتالي:
١ - تجريد القصدِ لله! حتى يكون مجلسًا تحضره الملائكة بإذن الله؛ وتتنزل عليه السكينة، وتغشاه الرحمة، ويذكره الله فيمن عنده! واعلم أن القرآن الكريم لا يفتح بصائره إلا للمقبلين عليه بإخلاص! فلابد من تجديد
_________________
(١) رواه البخاري: (٦٤٠٨)، ومسلم: (٢٦٨٩). ولفظ البخاري: «إنَّ لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قومًا يذكرون الله تنادوا: هلمُّوا إلى حاجتكم»، قال: «فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا، قال: «فيسألهم ربهم، وهو أعلم منهم، ما يقول عبادي؟ قالوا: يقولون: يسبحونك ويكبرونك ويحمدونك ويمجدونك قال: فيقول: هل رأوني؟ قال: فيقولون: لا والله ما رأوك؟ قال: فيقول: وكيف لو رأوني؟ قال: يقولون: لو رأوك كانوا أشد لك عبادة، وأشد لك تمجيدًا وتحميدًا، وأكثر لك تسبيحًا قال: يقول: فما يسألوني؟ قال: «يسألونك الجنة» قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها قال: يقول: فكيف لو أنهم رأوها؟ قال: يقولون: لو أنهم رأوها كانوا أشد عليها حرصًا، وأشد لها طلبًا، وأعظم فيها رغبة، قال: فمم يتعوذون؟ قال: يقولون: من النار قال: يقول: وهل رأوها؟ قال: يقولون: لا والله يا رب ما رأوها قال: يقول: فكيف لو رأوها؟ قال: يقولون: لو رأوها كانوا أشد منها فرارًا، وأشد لها مخافة قال: فيقول: فأشهدكم أني قد غفرت لهم قال: يقول ملك من الملائكة: فيهم فلان ليس منهم، إنما جاء لحاجة. قال: هم الجلساءُ لا يشقى بهم جليسُهم».
[ ١٠٥ ]
النية كلما هممت بالخروج إلى مكان المجلس، فهو مجلسُ تَعَبُّدٍ وليس مجلسَ تَعَوُّدٍ!
فإذا أخلصت لله وحده بما تسعى إليه من التدارس والتدبر لكتابه؛ فتح لك من أنوار القرآن ما يشرق على قلبك بمعرفة اللهِ ﷻ، ويضيء وجدانَكَ بمحبته تعالى! وذقتَ حقًّا جمال القرآن العظيم! وشاهدتَ من ملكوته ما لا عينٌ رأتْ، ولا أذنٌ سمعت، ولا خطر على قلب بشر!
٢ - تَحَيُّنُ أوقاتِ الانشراح النفسي للقرآن، والإقبال الوجداني على الذِّكْر، ومَظَانِّ اليقظة الإيمانية.
٣ - مراعاة أدب المجلس، وذلك بالاعتدال في هيأة الجلوس بما يحفظ للعلم وقارَه، وللقرآن جلالَه.
وينبغي أن يكون ذلك بصورة تساعد على حسن الاستماع، وكمال الإنصات! فلا يصح التمدد، ولا الاسترخاء، إلا لمريض أو ذي عذر؛ أو الجلوس بهيأة تخالف الآداب الإسلامية والأذواق العامة.
٤ - عدم عقد أكثر من لقاء واحد، أو لقاءين اثنين على الأكثر في الأسبوع الواحد، من لقاءات مجالس القرآن؛ بناء على منهج التَّخَوُّلِ في الموعظة، أي جعل تزود القلب من الإيمان على فترات منتظمة وغير متتابعة،؛ حتى لا يَكَلَّ ولا يَمَلَّ.
ويتفرع عن هذا الضابط ضابط آخر، هو: عدم طول وقت المجلس الواحد بما يخرجه عن حده.
٥ - احترام قواعد تدارس القرآن العظيم من الترتيل بمنهج التلقي، والتعلم والتعليم بمنهج التدارس، والتزكية بمنهج التدبر.
[ ١٠٦ ]
٦ - مبادرة أحد الجلساء من أهل العلم أو أهل الحلم؛ لتسيير المجلس.
فلا بد لمجلس الخير من شخص ينظم سيره، ويرتب أولوياته؛ تجنبًا للفوضى والارتجال، أو الانزلاق إلى غير أهداف مجالس القرآن العظيم! وقد يكون هذا المسيِّر من أهل العلم، أو من أهل الصلاح والورع عمومًا.
٧ - أن يعمد إلى إشراك الجميع في عملية التدارس والتدبر، فالتدارس مشاركة كما تدل عليه صيغة (التفاعل) من عبارته.
ومن القواعد التربوية المساعدة على إشراك الجميع: الْحِرْصُ على عدم استفحال عدد الجلساء؛ حتى لا يكون جمهورًا غفيرًا! إذْ هنالك وجب أن يُولَدَ مجلسٌ قرآني جديد! فرع عن الأول؛ لأن الجمهور الكثير يصلح للمحاضرةُ، أو الخطبةُ، أو الدَّرْسُ؛ لا (التَّدارُسُ)! فهذا إنما هو خاصٌ بِالْحِلَقِ كما تبين في النصوص السابقة! والحَلَقَةُ لا يتصور انعقادها إلا بأعداد معقولة.
٨ - تجنيب الجلساء الدخولَ في الجَدَلِ العقيم! فما أهلكَ كثيرًا من الناس إلا الجدلُ!
٩ - الإعراض عن اللغو من القول والابتعاد عنه مطلقا، والتنزه عن سَفَاسِفِ الكلام، فلا ينبغي أن يخالط مجلسَ التدارس إلا ما كان من قبيل العلم، والذِّكر، والتدبر، والتفكر، والاعتبار.
وإلا أفسد الشيطان عليك مجلسَك وعبادتَك! فاستعذ بالله منه، واترك لغو الحديث! وتفرغ لذكر الله وحده! وإذا بدر شيء من ذلك من أحد جلسائك فنبهه بأدب وحكمة.
١٠ - تحديد أهداف المجلس من التدارس، والتذكير بذلك من حين لآخر. وهو تحصيل التزكية للقلب بكتاب الله تعالى، والتخلق بأخلاق القرآن العظيم، من خلال مسالك التَّدَبُّر والتفكر.
[ ١٠٧ ]
ومن القواعد التربوية المحصِّنةِ للمجلس من آفة تبذير الوقت، أو إغراقه بدراسة الوسائل دون الغايات، أو بالخلافيات والجدل العقيم: الاعتمادُ على توزيعٍ متوازنٍ للوقت بين سائر مواد المجلس، على حسب أهميتها، بدءًا من التلاوة حتى التدارس فالتدبر؛ بصورة تعطي لكل مادةٍ حقَّها دون أن تطغى على غيرها.
ويمكن أن يكون ذلك بصور شتى، فالعبرةُ إنما هي بالنتيجة، وهي: الوصول بالقلوب إلى الدخول الذاتي في جمال القرآن تدارسًا وتدبرًا؛ لتحصيل التزكية، ومن هنا وجب أن يتحلى الْمُسَيِّرُ بالمرونة - وبالدقة أيضًا - ويوازن بين الوسائل والغايات في تنظيم الوقت؛ لتحقيق هذا الهدف النبيل!
١١ - أن يُعْتَمَدَ تفسيرٌ مختَصَرٌ من ذلك كله، مما تلقته الأمة بالقبول وأجمع على صحته السَّلَفُ والخَلَفُ.
١٢ - يُقْرَأ القرآنُ أولًا! مما هو مقصود بالتدارس لذلك المجلس، ويمكن أن تُتَداولَ التلاوةُ بين جميع الحضور أو بين أغلبهم، كما يمكن أن يُكْتَفَى بتلاوة أحدهم فقط، حسب ظروف المجتمعين.
١٣ - فإذا تمت حصَّة التلاوة والاستماع والإنصات إلى كتاب الله، كما يليق بكلام الله؛ فليشرع في قراءة خلاصة التفسير قراءةً مسموعة هادئة مفصَّلَةً؛ حتى يستوعب أهلُ المجلس مقاصدَ الكلام ومراميه، ثم يُشْرَع بعد ذلك في تدارس الخطاب القرآني من خلال ما تَحَصَّلَ في الذهن من معانٍ إجمالية للآيات.
وللدخول العملي في التدارس يحسن اتباع الخطوات المنهجية الآتية:
١٤ - تَنَاوُلُ قَدرٍ قليل من الآيات يُشَكِّلُ معنى يحسُن السكوت عليه، والوقوف عنده.
[ ١٠٨ ]
١٥ - يُتَحَقَّقُ من الفهم العام للمعاني التي وردت بها، وأن أهل المجلس على إدراك حسن للمقصود. ويمكن أن تثار الأسئلة حول ما أشكل منها؛ للوصول إلى بيانٍ أشمل وأوضح. ولهذا يمكن مراجعة تفسير الآيات المقصودة بالدراسة أكثر من مرة؛ إن اقتضى الحال.
١٦ - فإذا اتضح المعنى؛ وجب - بعد ذلك مباشرة - الدخول في محاولة التعرف على الهُدَى المنهاجي للآية أو الآيات، وهو عَيْنُ الحِكَم المطلوب تعلُّمُها، مما ورد في آيات وظائف النبوة: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩]. وذلك بمحاولة استنباط الحقائق الإيمانية التي تتضمنها، والأحوال الخُلُقِيَّة التي تُرْشِدُ إليها، ومحاولة عدها باللسان، وإحصائها بالوجدان، وتداول ذلك بين سائر الْجُلَسَاءِ؛ حتى ترسخ بالقلب وتتضح صورتها بما يساعد على تَدَبُّرِها.
١٧ - وبمعرفة ما تيسَّر من الحِكَم والمقاصد نفتح باب التدبر للآيات، والتفكر في خلق الأنفس والأرض والسماوات. وذلك لغاية التخلق بأخلاق القرآن الكريم، والاتصاف السلوكي بِحِكَمِه العظيمة! والتفكر والتدبر - إذا خلص كلاهما لله - يورثان التخلق بأخلاق القرآن بصورة تلقائية، وبلا كلفة، كما بيناه من قبل بشواهده.
١٨ - فإذا تمت مدارسة السورة بأكملها، بهذا المنهج؛ فلا بد - بعد ذلك - من محاولة قطف الثمرات التالية من ثمار المدارسة، وهي:
أ- التعرف على القضايا الأساسية التي تعالجها السورة على الإجمال، وهي حقائقها الإيمانية الكبرى، التي تدور بفلك المحور الرئيس في السورة.
ب- التعرف على المحور الرئيس للسورة على الإجمال.
[ ١٠٩ ]
والضَّابط الكلي، الجامع لضمان سير مجالس القرآن ونجاحها هو: الحفاظ على ميثاق القرآن العظيم، والالتزام به بقوة! إذ بذلك يعرف الجليس الصادق من غيره. وإنما برهانُ صِدْقِ الجليس، وحقيقةُ انتسابه إلى أهل الله من (جلساء الملائكة)، ومصداقية ذلك كله متوقفة على مدى التزامه بميثاق القرآن العظيم، وهو عَهْدَان: عَهْدُ فِعْلٍ وعَهْدُ تَرْكٍ.
فأما (عهد الفعل) فهو يتلخص في ثلاثة التزامات:
- الالتزام الأول: الحفاظ على أوقات الصلوات المفروضة بالمسجد، من الفجر إلى العشاء؛ إلا لضرورة شرعية. مع تأكيد النفس وتوطينها على صلاة الفجر وصلاة العشاء، والاجتهاد في ذلك كله لإدراك تكبيرة الإحرام مع الإمام، على قدر الإمكان.
فالصلاة هي خير أعمال المسلم على الإطلاق كما تواتر معناه بطرق شتى! وهي العبادة الوحيدة الحاكمة على ما سواها من الأعمال والعبادات بإطلاق! إذا استقامت للمؤمن حقيقتُها وانكشف له سِرُّها؛ استقام له كل شيء من دينه ودنياه! كما فصلناه بأدلته بمحله، فتأمل!
- الالتزام الثاني: الحفاظ على تلاوة جزء من القرآن الكريم لكل يوم، على الدوام، في الحَضَرِ والسَّفَر سواء! حتى يكون ختم القرآن لكل فرد من أفراد المجلس عند نهاية كل شهر. وبهذا يضمن العبد السالك إلى الله زادًا إيمانيَّا يوميًّا، ومنهجًا لتذكر حقائق الإيمان التي استفادها من مجالس التدارس القرآني، فالتلاوة المستمرة تذكيرٌ وأيُّ تذكير! لمن ذاق حقيقتَها وشاهد فضيلتَها.
- والالتزام الثالث: الاجتهاد لضم جليس جديد، أو جلساء جُدُد؛ إلى مجالس القرآن، متى سنحت الفرصة، أو إنشاء مجلس جديد على التمام. وتلك
[ ١١٠ ]
نعمة إيمانية - إن أكرمك الله بها - ولا كأي نعمة! فالحرص على نشر الخير والدعوة إليه؛ سِمَةٌ أساسيةٌ للمؤمن الصادق، مهما لقي في سبيل ذلك ما لقي من الحرج والعنت.
والآية التي هي الشِّعَارُ الجامِعُ لذلك كله من كتاب الله جل ثناؤه، هي ما سبقت الإشارة إليه من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠]. تَمْسِيكٌ بالكتاب أولا: وهو الأخذ بحقائقه الإيمانية بقوة، وإقامة للصلاة ثانيا: وهو إحسان أدائها والسير إلى الله عبر مواقيتها، ثم انطلاق إلى الإصلاح والدعوة إلى الخير.
﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠].
ولا أفضل في تلك من خدمة كتاب الله تعالى عمومًا! ثم لا أفضل في هذه من خدمته بإقامة (مجالس القرآن)، والدعوة إلى بنائها وتكثيرها في الأمة، ونشرها بين الأُسَرِ والأقارب، وبين الأحباب والأصحاب، سواء في صورة (المجالس الأسرية)، أو في صورة (صالونات القرآن).
وأما (عهد الترك) فهو أيضًا يتلخص في ثلاثة التزامات، وهي تتحقق عند المؤمن بمعاهدة الله ﷻ على ترك الموبقات الثلاث - أعاذنا الله وإياكم منها! - والانقطاع عنها بتاتًا! فلا يصح سيرٌ إلى الله ولا يستقيم؛ ما دام العبد متلبسًا بها أو ببعضها، وما دام لم يتب منها توبة نصوحًا! وعهده فيها هو كما يلي:
- معاهدةُ اللهِ ﷻ على ترك المال الحرام، وعلى رأسه الربا بكل صوره، وكذلك كل كَسْبٍ حرام، وأكل أموال الناس بالباطل، من رشوة وغيرها.
[ ١١١ ]
- معاهدة الله على ترك الزنا، وعدم الاقتراب من طرقه، وأسبابه، ومقدماته، وتجلياته، من مُخَادَنَةٍ، وبَذَاءَةٍ، وعُرْيٍ، وفُحْشٍ في اللباس والكلام والأخلاق .. إلخ. وكذا مجاهدةُ النفس على غَضِّ البصر، وترك النظر الحرام! لأن النظر الحرام يطمس البصيرة، ويذهب بالحياء، ويطفئ نور التقوى في القلب، ويخسف بجمالَ الورع في النفس، ثم يمسخ وجه صاحبه! وهو سبب كثير من الفساد والبلاء، والعياذ بالله! فلا تستهن به!
- معاهدةُ الله تعالى على ترك الخمر، ومقاطعتها من كل الوجوه بتاتًا: شربها، وإنتاجها، وتجارتها، وسائر الخدمات القائمة عليها بإطلاق! ومحاربة ملحقاتها من سائر أنواع المخدرات!
فإذا ثقلت عليك الانطلاقة إلى الله، ولم ينكشف لك نور القرآن، ولم تتبين لك حقائقه الإيمانية بمجالسه، أو لم تستقم لك الصلواتُ الخمس على مواقيتها وجماعاتها، أو لم يتخلص لك خشوعُها وجمالُها؛ فراجع نفسك في هذه الموبقات الثلاث! أو في ملحقاتها! وانظر: ما مدى أدائك لحق الله فيها؟ فإنه لا يستقيم للعبدِ سَيْرٌ إلى مولاه؛ ما لم تزل فيه لَوْثَةٌ من هذه اللوثات الثلاث! فلتتحرر من عبادة الشيطان أوَّلًا! حتى تكون عبدا لله بحق، وتستحق صفة (جليس الملائكة)! فإنما (الجلساء) هم الأتقياء! وآنئذ يقال لهم ولمن معهم: (هم الجلساء لا يشقى بهم جليسهم!) (^١).
_________________
(١) مجالس القرآن للأنصاري، الجزء الأول، بتصرف، وهو كتاب حريٌ أن يرجع إليه.
[ ١١٢ ]
«أعلم الله خلقه: أن من تلا القرآن، وأراد به متاجرةَ مولاه الكريم، فإنه يربحه الربح الذي لا بعده ربح، ويعرفه بركة المتاجرة في الدنيا والآخرة».
الآجري
[مختصر أخلاق حملة القرآن: (١٣)]
[ ١١٣ ]