- إنَّ من يعرف نعمة الله ﷿ عليه بالقرآن يتلوه ويتدبره ويعمل به، ويقدرها حق قدرها ولا يزال موصولًا مرتبطًا بها، يسأل ربه جل وعلا ألا يحرمه إياها وألا يمنعه بركتها وخيرها، بل يتحسر عند انقطاعها ويحزن على ذلك، وذلك دليل صدق المحبة والرغبة، ومن أمثلة ذلك ما رواه أنس، قال: قال أبو بكر ﵁، بعد وفاة رسول الله ﷺ لعمر: «انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، كما كان رسول الله ﷺ يزورها، فلما انتهينا إليها بكت، فقالا لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله ﷺ؟ فقالت: ما أبكي أن لا أكون أعلم أن ما عند الله خير لرسوله ﷺ، ولكن أبكي أن الوحي قد انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء. فجعلا يبكيان معها» (^١).
- وكان أبو الحلال ربيعة بن زرارة العتكي يقوم آخر الليل بالصلاة والدعاء وتلاوة القرآن مع إطالة السجود والانكسار والتذلل بين يدي الله عزو جل، ولما كبر سنه وضع له مقام مرتفع يسجد عليه، وكان يقول في سجوده: «اللهم لا تسلبني القرآن» (^٢).
- وعن ثابت البناني، ورجل آخر: «أنهما دخلا على مطرِّف وهو مغمى عليه، قال: فسطعت معه ثلاثة أنوار: نور من رأسه، ونور من وسطه، ونور من رجليه، فهالنا ذلك، فأفاق، فقلنا: كيف أنت يا أبا عبد الله؟ قال: صالح.
_________________
(١) رواه مسلم: (٢٤٥٤).
(٢) حلية الأولياء: (٣/ ١٠٥).
[ ١٤٨ ]
فقيل: لقد رأينا شيئًا هالنا. قال: وما هو؟ قلنا: أنوار سطعت منك. قال: وقد رأيتم ذلك؟ قالوا: نعم. قال: تلك تنزيل السجدة، وهي تسع وعشرون آية، سطع أولها من رأسي، ووسطها من وسطي، وآخرها من قدمي، وقد صورت تشفع لي، فهذه ثوابية تحرسني» (^١).
- وعن الزهري: «سألت علي بن الحسين عن القرآن؟ فقال: كتاب الله وكلامه» (^٢).
- وعن نافع، قال: «لما غسل أبو جعفر القارئ - أحد الأئمة العشرة في حروف القراءات -، نظروا ما بين نحره إلى فؤاده كورقة المصحف، فما شك من حضره أنَّه نور القرآن» (^٣).
- وقال سحنون: «رأيت ابن القاسم في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: وجدت عنده ما أحببت. قلت: فأي عمل وجدت؟ قال: تلاوة القرآن. قلت: فالمسائل؟ فأشار يلشِّيها. وسألته عن ابن وهب، فقال: في عليين» (^٤).
- وقال فروة بن نوفل الأشجعي: «كنت جارًا لخبَّاب، فخرجت يومًا معه إلى المسجد، وهو آخذ بيدي، فقال: يا هناه، تقرب إلى الله بما استطعت، فإنك لن تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه» (^٥).
_________________
(١) سير أعلام النبلاء: (٤/ ١٩٤)، ولفظه في الحلية: (٢/ ٢٠٦): «فهذا ثوبها يحرسني»، وفي رواية: «فهذه تبارك تحرسني».
(٢) سير أعلام النبلاء: (٤/ ٣٩٦).
(٣) سير أعلام النبلاء: (٥/ ٢٨٨).
(٤) سير أعلام النبلاء: (٩/ ١٢٢).
(٥) سير أعلام النبلاء: (١١/ ٢٨٤).
[ ١٤٩ ]