هذه أوراقٌ متناثرة كتبت في أزمان متباعدة، بعضها وليد بحث، والآخر وليد خاطرة، غايتها تشويق الأنام إلى كلام الملك العلام، كتاب الله المجيد ذي الذكر، الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد.
هذه رسالة إلى كل محب للكتاب ليزداد حبًّا، وإلى كل مبتعد ليزداد قربًا.
وما غرض هذا الكتاب إلا بعث الشوق في نفس القارئ ليقبل على كتاب الله تعالى، وقد ذكرتُ فيه من كلام أهل العلم، وحال السلف الكرام ما يبعث الهمة، ويقرب المسافة بيننا وبين الكتاب المحفوظ.
ونحن في هذا الزمان أحوج ما نكون لهذا القرآن، إنَّ القرآن شفاءٌ لما في الصدور، شفاءٌ لما في الصدور من شهوات وشبهات، «ففيه من البيِّنات ما يزيل الحق من الباطل، فيزيل أمراض الشبهة المفسدة للعلم والتصور والإدراك؛ بحيث يرى الأشياء على ما هي عليه.
وفيه من الحكمة والموعظة الحسنة بالترغيب والترهيب والقصص التي فيها عبرة؛ ما يوجب صلاح القلب، فيرغب القلب فيما ينفعه، ويرغب عما يضره،
[ ١٣ ]
فيبقى القلب محبًّا للرشاد مبغضًا للغي، بعد أن كان مريدًا للغي مبغضًا للرشاد» (^١).
وإنَّ أحق ما توهب له الأعمار كتاب الله!
«وفي مَثَلٍ بليغ حق بليغ: أن نملة انطلقت في طريقها، عاقدةً عزيمتَها على حج بيت الله من أقصى الأرض! فقيل لها: (كيف تدركين الحج وإنما أنت نملة؟ إنَّك ستموتين قطعًا قبل الوصول!) قالت: (إذن أموت على تلك الطريق!).
وإن القرآن لهو بحق مشروع العمر، وبرنامج العبد في سيره إلى الله حتى يلقى الله، وما كان تنجيم القرآن (^٢)، وتصريف آياته على مدى ثلاث وعشرين سنةً؛ إلا خدمةً لهذا المقصد الرباني الحكيم!
إنَّ نور القرآن لا يمتد شعاعه إلى الآخرين؛ إلا باشتعال قلب حامل كلماته، وتوهجه بحقائقه الإيمانية الملتهبة!
فيا شباب الأمة وأشبالها، هذا كتاب الله ينادي، وهذه الأمة تستغيث!
فمن ذا يبادر لحمل الرسالة؟ من ذا يكون في طليعة السفراء الربانيين، الحاملين لرسالات هذا الدين، إلى جموع التائهين والمحتارين هنا وهناك؟
من يفتح صدره لنور القرآن، فيقدح به أشواقَ العلم بالله والمعرفة به؟ عساه ينال شرفَ الخدمة في صفوف الإغاثة القرآنية، والإنقاذ لملايين الغرقى في مستنقعات الشهوات والشبهات؟
من يمد إلى رسول الله ﷺ يدًا غير مرتعشة؛ فيبايعه على أخذ الكتاب بقوة؟ ويقبض على جمر هذا الإرث الدعوي العظيم: رسالات القرآن؟
_________________
(١) مجموع الفتاوى، لابن تيمية: (١٠/ ٩٥)، بتصرف.
(٢) أي: نزوله مفرقًا، فقد كان القرآن ينزل طيلة بعثة النبي ﷺ.
[ ١٤ ]
من يقول: (أنا لها يا رسول الله!) فيقوم بحقها ويَفِي بعهدها؟ ثم ينخرط في مسلك بلاغات الوحي، سيرًا على أثر الأنبياء والصديقين: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللهَ وَكَفَى بِاللهِ حَسِيبًا﴾ [الأحزاب: ٣٩]. فهل من عَبْدٍ - حَقَّ عَبْدٍ لله - يجعل حياتَه وقفًا على دين الله، يتلقى كلمات الله، ويُبَلِّغُ رسالاتِه! عسى أن يتحقق بولاية الله؛ فيفتح الله له، وعلى يديه! ﴿إِنَّ اللهَ بَالِغٌ أَمْرَهُ قَدْ جَعَلَ اللهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾ [الطلاق: ٣]» (^١).
وفي ختام هذه المقدمة، أسأل الله ﷿ أن يتقبل هذا العمل بقبول حسن، وأن ينفع به، وأسأله أن يجزي كل من ساهم في إخراج هذا الكتاب على هذه الصورة خير الجزاء، وأن يجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور أبصارنا، وأن يرضى عنا، إنه بكل جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل.
كتبه وجلًا، وحرره خجلًا
عمرو صبحي علي الشرقاوي
(amr.alsharqawi@gmail.com)
(@AmrAlsharqawi)
_________________
(١) هذه رسالات القرآن، للشيخ الأستاذ: فريد الأنصاري، (١٧، ٢١، ٢٢)، بتصرف.
[ ١٥ ]
«فما أشدَّها من حسرة وما أعظمها من غَبْنة على من أفنى أوقاته في طلب العلم، ثم يخرج من الدنيا وما فهم حقائق القرآن، ولا باشر قلبه أسراره ومعانيه!»
ابن القيم
[بدائع الفوائد: (١/ ٣٣٨)]
[ ١٧ ]