مصطلح (تثوير القرآن) من المصطلحات التي أطلقها الإمام الحبر صاحب النبي ﷺ = عبد الله بن مسعود، وذلك فيما رواه غير واحد عن عبد الله بإسناد صحيح، قَالَ: «إذا أردتم العلم فأثيروا القرآن، فإنَّ فيه علم الأولين والآخرين»، وقد وردَ بألفاظٍ متعددةٍ منها: «من أراد علم الأولين والآخرين فليثوِّر القرآن»، وفي رواية: «ثَوِّرُوا القرآن؛ فإنَّ فيه علم الأولين والآخرين» (^١).
وهذا الأثرُ اللطيف يبين لنا ما كان عليه السلف ﵃ من حال مع كتاب الله تعالى، وكيف لا وهو حبل الله المتين!
وقد كانوا على علم جم بهذا القرآن العظيم، قال ابن عباس: «لو أردتُّ أن أملي وِقر بعير على الفاتحة لفعلت»! (^٢).
ومصطلح (تثوير القرآن) يعبر عن ضرب من ضروب تلقي الكتاب، وتلاوته حق التلاوة.
_________________
(١) رواه ابن المبارك في الزهد: (٨١٤)، ومن طريقه الفريابي في فضائل القرآن: (٧٨)، وغيرهما، بإسناد صحيح إلى ابن مسعود.
(٢) البرهان في علوم القرآن: (١/ ٨)، أي: لو أراد أن يفسر سورة الفاتحة، ويشرح ما احتوت عليه من جليل المعاني بما يملأ ما يمكن للجمل أن يحمله = لفعل ﵁.
[ ٨٣ ]
وقد اختلفت عبارات أهل العلم في بيان هذا المصطلح، وإن اتفقت معانيهم، فقال ابن عطية: «وتثوير القرآن: مناقشته ومدارسته والبحث فيه، وهو ما يعرف به» (^١).
ونقل القرطبي عن بعض العلماء أن تثوير القرآن: «قراءته ومفاتشة العلماء به» (^٢).
ونقل ابن عجيبة عن الغزالي أنَّه (التفهُّم)، وهو: «أن يستوضح كل آية ما يليق بها إذ القرآن مشتمل على ذكر صفات الله تعالى، وذكر أفعاله، وذكر أحوال أنبيائه ﵈، وذكر أحوال المكذِّبين، وكيف أُهلكوا، وذكر أوامره وزواجره، وذكر الجنة والنار» (^٣).
ونقل الزركشي عن بعض العلماء أن التثوير «لا يحصلُ بمجرَّدِ تفسير الظَّاهر» (^٤).
وبوب عليه أبو الليث السمرقندي: «باب الحث على طلب التفسير» (^٥).
ولو أضفنا لذلك ما في كلمة الإثارة من التقليب والنظر في الوجوه، ومنه ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ [الروم: ٩]، وقوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٧١]، وهو تقليبها بالحرث والزراعة، وأن المرء لن يفقه القرآن حق الفقه حتى يرى للقرآن وجوهًا.
_________________
(١) التفسير: (١/ ٣).
(٢) التفسير: (١/ ٤٤٦).
(٣) البحر المديد: (٥/ ٢٣)، الإحياء: (١/ ٢٨٢).
(٤) البرهان: (٢/ ١٥٤).
(٥) بحر العلوم: (١/ ١١).
[ ٨٤ ]
= لاجتمع عندنا من معاني المصطلح ما يصلح أن ننسجه بأن نقول: إنَّ تثوير القرآن ضربٌ من ضروب التدبر لكتاب الله الكريم، وينطلق من التالي: