كان الفضيل بن عياض شاطرًا (^١) يقطع الطريق بين أبيورد وسرخس، وكان سبب توبته أنَّه عشق جارية، فبينا هو يرتقي الجدران إليها، إذ سمع تاليًا يتلو: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِيْنَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوْبُهُم لذكر الله وما نزل من الحق﴾ … [الحديد: ١٦]، فلما سمعها، قال: بلى يا رب، قد آن! فرجع، فآواه الليل إلى خربة، فإذا فيها سابِلة (^٢)، فقال بعضهم: نرحل، وقال بعضهم: حتى نصبح، فإن فضيلًا على الطريق يقطع علينا.
قال: ففكرت، وقلت: أنا أسعى بالليل في المعاصي، وقوم من المسلمين ها هنا يخافوني، وما أرى الله ساقني إليهم إلا لأرتدع، اللهم إني قد تبت إليك، وجعلت توبتي مجاورة البيت الحرام (^٣).
هذه قصة توبة بسبب آية من كتاب الله، وبداية لفتح علاقة جديدة مع القرآن امتدت مع الفضيل بن عياض حتى مات، بل وَوَرَّثَها ولدَه قتيل القرآن
_________________
(١) أي: سارقًا.
(٢) أي: قوم يمرون من هذا الطريق.
(٣) شعب الإيمان، للبيهقي: (٩/ ٤٢٩)، سير أعلام النبلاء: (٨/ ٤٢٣).
[ ١٩ ]
علي بن الفضيل (^١)!
* القرآن هو كلام الله الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز.
إنَّ القرآن يستمد مجده، وعلو شأنه ورفعته، من عظمة وجلال من تكلم به، وهو الله ﷾.
ولا يليق بنا أن نبتعد عن مصدر الهدى والمجد كتاب الله ذي الذكر، فلا بد أن نتصالح مع القرآن.
إننا حين نعلن هذا التصالح، ونسير في الطريق إليه، فنحن حقًّا نسير في طريق إعادة التوازن والسكينة إلى الروح التي تسكن الأجساد!، وهذا أول طريق الإصلاح.
* وأول طريق التصالح مع القرآن أن تتحايل على نفسك بالإكثار من تلاوة القرآن، تلاوة لا كالتلاوات السابقة، تلاوة لا تنتظر فيها موعدًا، تلاوة لا تنشغل فيها بغير القرآن، إنَّ القرآن كتاب عزيز لا بد أن تعطيه أنفس ما تملك من أوقات، فأقبل عليه وإياك أن تبخل، ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه!
ولا بد أن تتخير أوقات التلاوة، وأجلها وقت اجتماع القلب!
* إنَّ لحزب الليل، وترتيل الكتاب في وقت اجتماع القلب = لقصة أخرى، إنَّ مما نعانيه من هذه المادية الطاغية قلب حقائق الكون، إنَّ الليل ليل،
_________________
(١) عن محمد بن بشر المكي قال: «كنا يومًا ماضين مع علي بن الفضيل فمررنا بمجلس بني الحارث المخزومي ومعلم يعلم الصبيان، قال: ويقرأ ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى ٣١﴾ [النجم: ٣١] فشهق ابن فضيل شهقة خر مغشيًا عليه، فجاء الفضيل فقال: بأبي قتيل القرآن، ثم حمل»، انظر: شعب الإيمان، للبيهقي: (٢/ ٣٠٢).
[ ٢٠ ]
والنهار نهار، فلتخل أيها السالك بكتاب ربك في ظلمة الليل، ولتقرأ ما تحفظه، ولتثوِّر القرآن، لتكن من الأمة القائمة التي تتلو كتاب ربها آناء الليل، فتسجد لمن هذا الكلام كلامه، فتقترب!.
* وثاني الطرق للتصالح: فهم القرآن، إنَّ الإنسان لن يلتذ بكلام لا يفهم معانيه، ولذا حث الله تعالى على تفهم القرآن، وإدراك حقائقه، ولا شك أن القلوب الحية تجري في مضمار المعاني القرآنية .. والقلوب المكبلة بالخطايا ما زالت تزحف في الخطوط الأولى!
ولكن .. لا تيأس.
مهما استمعتَ إلى القرآن أو قرأتَه فأنتَ آخذ في الاهتداءِ بتنقية المحل، وتبديد ظلمته واستبدال النور به، وتخليته من الران الذي أكسبتَه إياه بنفسك!
حتى إذا نقَّيتَ المحل وطهَّرتَه؛ كان الاهتداء بالقرآن بزيادة نور القلب، فيحصل التلذذ التام بحصول النور التام، ويحصل الاهتداء التام بعد زوال أثر المعصية زوالًا تامًّا!
لكنَّ أكثر الناس لا يعي أنَّه بحاجة إلى مجاهدة طويلة وصبر حتى يزيل أثر الغفلة والذنب من قلبه، ثم يستمتع بالقرآن والصلاة!
والفقيه حقًّا من يعي ذلك، ثم يجاهد نفسه لإصلاح المحل، وتنقيته، مهما طال به الزمان.
فاحرص أن تفقه القرآن، ولو عبر كتاب مختصر من كتب التفسير، لتكون من أولي الألباب.
* ومن طرق التصالح مع القرآن أن تعقد مع من تحب مجالس المدارسة، تلك المجالس التي يجلس فيها المتدارسون لينهلوا من فيض النور الذي يتلى في
[ ٢١ ]
المكان، «… وما اجتمع قوم في بيتٍ من بيوتِ الله، يتلون كتابَ الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده …» (^١).
وفي هذه المجالس تظهر حقائق القرآن، ومن لم يكابد حقائق القرآن لهيبًا يحرِّق باطن الإثم من نفسه، فلا حظَّ له من نوره!
* إننا نحتاج إلى قوم يستجيبون لنداء الله، ويسلكون مسلك رسول الله، فيدخلوا في ابتلاءات القرآن المجيد؛ تخلقًا بأخلاقه، وتحققًا بمنهاجه، وتلقيًا لرسالاته، ثم بلاغها إلى سواد الأمة عبر مجالس القرآن ومدارساته، تدبرًا وتفكرًا!
فلنبدأ صحبة جديدة مع القرآن عسى أن نكون من أهله الذين هم أهل الله وخاصته.
* مثل!
«إنَّ أهم فصل في تعريف القرآن المجيد هو أنَّه: (كلام الله رب العالمين!).
وما كان لكلام الحي الذي لا يموت أن يبلى أو يموت! ولكن الذي يموت هو شعورنا نحن! والذي يبلى هو إيماننا نحن!
أما الوحي فهو عين الحياة!
وحقيقة (الوحي) هي أول صفة يجب أن نتلقى بها القرآن الكريم، وهي أهم جوهر يجب أن ننظر من خلاله إلى كلماته؛ بما هي كلمات الله رب العالمين!
_________________
(١) رواه مسلم: (٢٦٩٩).
[ ٢٢ ]
ذلك أن كلام الله لا يتنزل على الرسل إلا وحيًا ..
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللهُ إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
وهذا شيء مهم جدًّا! فكون القرآن (وَحْيًا) هو المعراج الرئيس الذي به يرتقي القارئ له إلى سماء القرآنية!
إنَّه المصطلح المفتاح الذي به يكتشف طبيعة القرآن، ويبصر نوره، ويتلقى حقائقه الإيمانية ورسالاته الربانية، ويشاهد شلالات الجمال والجلال، حية متدفقة من منابع القرآن!
إنَّ كون القرآن (وَحْيًا) ليس معنى تاريخيًّا فحسب؛ بل هو معنى مصاحب لطبيعته أبدًا! بمعنى أن صلة القرآن بالسماء هي صلة أبدية .. !
إنَّ المشكلة هي أنَّنا عندما نقرأ القرآن نربط الوحي فيه بذلك الماضي الذي كان! بينما الوحي نور حاضرٌ، وروح حي، يتدفق الآن في كل آيات القرآن، وينبع من تحت كل كلماته، شلالاتٍ من كوثر ثَجَّاجٍ!
لقد قُبِضَ رسولُ الله فانقطع الوحي التاريخي، أي انقطع فعل التنزيل الذي كان في الزمان والمكان، بواسطة الملاك جبريل ﵇، ولكن بقي الوحي القرآني، أو الوحي/ القرآن! والوحي هنا صفة اسمية من أسماء القرآن المجيد، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ [الأنبياء: ٤٥] وقال سبحانه: ﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
وإنما سمي القرآن (وَحْيًا) لأنه نزل كذلك، قال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ ﴿الأنعام: ١٩].
[ ٢٣ ]
فالوحي - كما ترى - له دلالتان: الوحي الحَدَثُ، أي النزول الخفي من السماء، وهو سبب النبوة، وهو الذي انقطع.
والوحي الصفة، وهو لا ينقطع أبدًا، وعليه سمي هذا القرآن المجيد (وَحْيًا).
وقد يقول قائل هذه حقائق بَدَهِيَّةٌ فَلِمَ العَنَاءُ؟ أقول: نعم؛ ولكننا ننساها فنضل الطريق إلى القرآن! ..
وإنَّما مشكلة أجيالنا المعاصرة أنها أضاعت بَدَهِيَّاتِهَا! حتى صرنا في حاجة إلى إعادة تقرير معنى (الدين) نفسه!
نعم! إنَّ تَلَقِّي القرآن بوصفه (وَحْيًا) هو المفتاح الأساس لاكتشاف كنوزه الروحية، والتخلق بحقائقه الإيمانية العظمى!
النور .. تلك هي طبيعة الوحي وصِبْغَتُهُ، وصفته الثابتة للقرآن، حقيقة جوهرية لا تنفك عنه .. والنور روحٌ، لكنه روحٌ يسري في كلمات القرآن بخفاء، وإنَّما المؤمنون وحدهم يبصرون جداوله الرقراقة، وهي تتدفق بالجمال والجلال!
ولكن كيف يكون هذا؟
لنعد إلى مثال النجم المذنَّب! .. إنَّ ذلك النَّيْزَكَ الناري الواقع من السماء إلى الأرض، ما يزال يحتفظ بأسرار العالم الخارجي الذي قَدِمَ منه!
إنَّه فِهْرِسْتٌ مكنون، لو تدبرته لوجدته يكتنز خريطةَ الكون كله! ويحتفظ من الأسرار ما عجزت عن إدراكه أحدث مراصد الفلك، وأعقد معادلات الرياضيات، وأحدث نظريات الفيزياء! .. إنَّه لم يفقد حرارته ولا طاقته قط!
وإنما حُجِبَ لهيبُه رحمةً بالناس، وتيسيرًا لهم، وتشجيعًا للسائرين في الظلمات على حمل قنديله الوهاج، والقبض عليه بأصابع غير مرتعشة، بل على احتضانه وضمه إلى القلب، نورًا متوهجًا بين الجوانح!
[ ٢٤ ]
إنَّ مَثَلَ القرآن ومَثَلَ الناس في هذا الزمان، هو كثلاثة مسافرين تَاهُوا في الصحراء بليل مظلم! صحارى وظلمات لا أول لها ولا آخر .. !
فبينما هم كذلك إذ شاهدوا في السماء نجمًا مُذَنَّبًا لَاهِبًا، لم يزل يخرق ظلمات الأفق بنوره العظيم، حتى ارتطم بالأرض!
فافترقوا ثلاثتهم إزاءه على ثلاثة مواقف:
فأما أحدهما: فلم يُعِرْ لتلك الظاهرة اهتمامًا، بل رآها مجرد حركة من حركات الطبيعة العشوائية!
وأما الآخران: فقد هرعا إلى موقع النَّيْزَكِ فالتقطا أحجاره المتناثرة هنا وهناك .. وكانا في تعاملهما مع تلك الأحجار الكريمة على مذهبين:
فأما أحدهما: فقد أُعْجِبَ بالحجر؛ لِمَا وجد فيه من جمال وألوان ذات بريق، وقال في نفسه:
لعله يستأنس به في وحشة هذه الطريق المظلمة، ثم دسه في جرابه وانتهى الأمر!
وأما الآخر: فقد انبهر كصديقه بجمال الحجر الغريب! وجعل يقلبه في يده، ويقول في نفسه: لا بد أن يكون هذا المعدن النفيس القادم من عالم الغيب يحمل سِرًّا! لا يجوز أن يكون وقوعه على الأرض بهذه الصورة الرهيبة عبثًا! كلاَّ كلاَّ! لا بد أن في الأمر حكمةً ما! ثم جعل يفرك حجرًا منه بحجر، حتى تطاير من بين معادنه الشَّرَر .. ! وانبهر الرجل لذلك؛ فازداد فركًا للحجر، فازداد بذلك تَوَهُّجُ الشَّرَرِ ..
وجعلت حرارة معدنه تشتد شيئًا فشيئًا؛ حتى وجد ألم ذلك بين كفيه! بل جعلت الحرارة الشديدة تسري بكل أطراف جسمه، وجعل الألم يعتصر
[ ٢٥ ]
قلبَه، ويرفع من وتيرة نبضه .. ! لكنه صبر وصابر، فقد كان قلبه - رغم الإحساس بالألم والمعاناة - يشعر بسعادة غامرة، ولذة روحية لا توصف! .. وما هي إلا لحظات حتى تحول الحجر الكريم بين يديه إلى مشكاة من نور عظيم!
ثم امتد النور منها إلى ذاته، حتى صار كل جسمه سَبِيكَةً من نور، وكأنه ثريا حطت سُرُجَهَا ومصابيحَها على الأرض! وجعل شعاع النور يفيض من قلبه الملتهب فيعلو في الفضاء، ويعلو، ثم يعلو، حتى اتصل بالسماء! ..
كان الرجل يتتبع ببصره المبهور حبل النور المتصاعد من ذاته نحو السماء، حتى إذا اتصل بالأفق الأعلى تراءت له خارطة الطريق في الصحراء! واضحة جلية، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك! ووقع في قلبه من الفرح الشديد ما جعله يصرخ وينادي صاحبيه معًا: أخويَّ العزيزين! .. هَلُمَّا إِليَّ! .. إِليَّ! لقد وجدت خارطة الطريق! .. لقد من الله علينا بالفرج! .. أخويَّ العزيزين! .. اُنْظُرَا اُنْظُرَا! .. هذا مسلك الخروج من الظلمات إلى النور! شَاهِدُوا شُعَاعَ النورِ المتدفق من السماء ..
إنه يشير بوضوح إلى قبلة النجاة! .. فالنجاةَ النجاةَ!
أما الذي احتفظ بقطعة من الحجر في جرابه فلم يتردد في اتباع صاحبه والاقتداء بهديه؛ لأنه كان يؤمن بأن لهذا المعدن الكريم سِرًّا!
ولقد أبصر شعاعه ببصيرة صاحبه، لا ببصيرة نفسه!
وأما الأوَّل الذي لم ير في النجم الواقع على الأرض شيئًا ذا بال؛ فإنه رغم نداء صاحبه له لم يبصر شيئًا من أمر الشعاع المتدفق بالهدى! لقد كان محجوبًا باعتقاده الفاسد، فلم تَعْكِسْ مِرْآةُ قلبِه الصَّدِئَةُ نورًا! ولذلك لم يصدق من
[ ٢٦ ]
نداء صاحب النور شيئًا من كلامه، بل اتهمه بالجنون والهذيان! ومضى وحده يخبط في الصحراء، ضاربًا في تيه الظلمات!
﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ!﴾ [النور: ٤٠].
ثم انطلق الرجلان المهتديان يسيران في طريق النور .. وإنما هما تابع ومتبوع، فالمتبوع داعية يرى بنور الله .. ويسير على بصيرة من ربه؛ بما كابد من نار الحجر وشاهد من نوره! والثاني مؤمن بالنور مصدق بدعوة صاحبه، يسير على خطاه وهديه ..
ولكنه يكابد في سيره عثرات من حين لآخر وهَنَاتٍ؛ وذلك بسبب ما يلقي إليه الشيطان من وساوس ومخاوف!
وليس لديه ما يدفع به كيد الشيطان إلا ما يتلقى عن صاحبه!
وبينما هما كذلك يسيران مطمئنين في طريقهما، إذ سأل الرجلُ التابعُ صاحبَه المتبوع فقال:
أناشدُك الله أن تخبرني كيف اكتشفت سر النور في هذا الحجر الكريم!
لكنَّ صاحب النور وجد أن اللغة عاجزة عن بيان حقيقة النور لصاحبه، فما كان منه إلا أن دس قطعة من الحجر الذي كان بين يديه في كف السائل؛ فصرخ الرجل من شدة حر الحجر الكريم والتهابه! وجعل يقلبه بين يديه ثم ألقاه بسرعة في كف صاحبه! لكن صاحب النور قبض عليه بيد ثابتة مطمئنة! فعجب منه رفيقه وقال: إنما أنت قابض على الجمر!
قال: نعم، هو كذلك! إنَّه القبض على الجمر! لكن لذة الروح بما يشاهد القلب من نور، وبما يجد من سعادة غامرة؛ ترفع عن الجسد الشعور بالألم،
[ ٢٧ ]
وتمنع حدوث الاحتراق! وإنَّ نار الشوق والإيمان لهي أقوى ألف مرة ومرة من نار الكفر والفسوق والعصيان!
ولو وقعت الأولى على الثانية؛ لجعلتها سلامًا وأمانًا على قلب العبد المؤمن!
﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الأَخْسَرِينَ﴾ [الأنبياء: ٦٨ - ٧٠].
نعم يا رفيقي في طريق النور! إنَّ مكابدة القرآن في زمان الفتن، والصبر على جمره اللاَّهِبِ في ظلمات المحن؛ تلقيًّا، وتزكيةً، وتدارسًا، وسيرًا به إلى الله في خلوات الليل؛ هو وحده الكفيل بإشعال مشكاته، واكتشاف أسرار وحيه، والارتواء من جداول روحه، والتطهر بشلال نوره .. النور المتدفق بالحياة على قلوب المحبين، فيضًا ربانيًّا نازلًا من هناك، من عند الرحمن، الملك الكريم الوهاب!
فتدبر يا صاح هذا المشهد القرآني الجليل! في بيان حقيقة تَلَقِّي محمد ﷺ للوحي عن الملَك العظيم جبريل ﵇، حيث تلقَّى عنه ما تلقَّى من قرآن كريم، وحيًا من الله رب العرش العظيم، وشاهدَ ما شاهدَ خِلالَ ذلك من حقائق إيمانية، ومنازل روحانية، ضاربة في عمق الغيب الأعلى!
﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى* مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى* وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى* عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى* ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى* وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى* ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى* فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى* فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى* مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى* أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى* وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى* عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى* عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى* إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى* مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى* لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١ - ١٨].
[ ٢٨ ]
ذلك هو القرآن الوحي! إنه حجر كريم، بل إنه نجم عظيم وقع على الأرض! ولم يزل معدنه النفيس يشتعل بين يدي كل من فركه بقلبه، وكابده بروحه، تخلقًا وتحققًا! حتى يرتفع شعاعُه عاليًا، عاليًا في السماء، دالًّا على مصدره وأصله، هناك بموقعه الأعلى في مقام اللوح المحفوظ! ومشيرًا مِنْ عَلُ ببرقه العظيم إلى باب الخروج .. ! فهنيئًا لمن تمسك بحبله، واتصل قلبُه بتياره، وتزود من رقراق أسراره، ثم مشى على الأرض في أمان أنواره!
نعم! ذلك هو القرآن الوحي، الذي يصل قارئَه وَحْيًا بملأ السماء مباشرةً .. من أول كلمة يقرؤها! فإذا به يطل على عالم الشهادة من شرفات عالم الغيب! بصائر قرآنية واضحة ومشاهدات لا يضام في حقائقها شيئًا! بصائر ومشاهدات لا تلبيس فيها ولا تدليس، ولا خرافة ولا تخرصات! وإنما هو نور الفرقان! قال ﷻ: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [الأنعام: ١٠٤].
وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الأنفال: ٢٩].
نعم! ذلك هو القرآن الوحي! .. فمن يفرك جمره؟ ومن يقتبس من حر آياته نورَه؟ فعسى أن يترقى في معراجه إلى مقام الروح الأعلى! وعساه يكون بذلك من المبصرين؛ فيشاهد خارطة الطريق .. !
أيها القابضون على الجمر .. !
أيها المراقبون لنيزك السماء .. !
إنه وَحْيٌ .. فَتَعَرَّضُوا لَهُ!
[ ٢٩ ]
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ٢٠٠].
ذلك، وإنما الموفَّق من وفقه الله ..» (^١).
_________________
(١) هذه رسالات القرآن، للأستاذ الشيخ: فريد الأنصاري، (٤٧ - ٥٦)، وهو كتاب نفيس على صغر حجمه.
[ ٣٠ ]
«وبعد فالقرآنُ نورٌ مشرق … حاملُه مسددٌ موفق
وجاء عن سيدنا محمد … ذي الفضل والفخر الرسولِ المرشدِ
في فضلِ حفَّاظ القران المهرَة … أنَّهم مع الكرام السفرة
لأنَّه في صحفٍ مطهرة … وهي بأيدهم كما قد ذكره
فالحافظُ المتقنُ قد ساوى الملَك … فاستعمل الجدَّ فمن جدَّ مَلَك»
السخاوي
[هداية المرتاب]
[ ٣١ ]