هل أتاك نبأ تلك الرؤيا التي رآها النبي ﷺ، وقصها على أصحابه؟!
تلك الرؤيا فيها خبر مرعبٌ حقًّا، فقد حكى النبي ﷺ أن صاحبيه قالا له انطلق، قال: «فانطلقنا حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه ورجل قائم على رأسه بفهر - أو صخرة - فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه، فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه، فضربه، قلت: من هذا؟ قالا: … والذي رأيته يشدخ رأسه، فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة» (^١).
لهذه الدرجة، أنعم الله عليه .. آتاه القرآن، لكنَّه ترك كل ذلك، ونام عنه، ولم يعمل به، فكان هذا جزائه، فاللهم سلم .. سلم.
فالقرآن حجة لك في الدنيا والآخرة، فأما الدنيا، فعن عامر بن واثلة، أن نافع بن عبد الحارث، لقي عمر بعسفان، وكان عمر يستعمله على مكة، فقال: من استعملت على أهل الوادي، فقال: ابن أبزى، قال: ومن ابن أبزى؟ قال: مولى من موالينا، قال: فاستخلفت عليهم مولى؟ قال: إنه قارئ لكتاب الله ﷿،
_________________
(١) رواه البخاري: (١٣٨٦).
[ ١١٥ ]
وإنَّه عالم بالفرائض، قال عمر: أما إنَّ نبيكم ﷺ قد قال: «إنَّ الله يرفع بهذا الكتاب أقوامًا، ويضع به آخرين» (^١).
مولى من الموالي رفعه الله بهذا الكتاب المجيد، فكان حجة له.
وحجة في الآخرة أيضًا، فعن النواس بن سمعان ﵁، قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به تقدمه سورة البقرة وآل عمران تحاجَّان عن صاحبهما» (^٢).
والقرآن حجة لعبد عرفه، وشهادة له بخروجه من العمى للإبصار، ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩].
وحجة على عبد أعرض عنه، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا ﴿٩٩﴾ مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا﴾ [طه: ٩٩ - ١٠٠].
والقرآن حجة لك وشاهد بالخيرية إن تعلمته وعلمته، فعن أبي عبد الرحمن السلمي، عن عثمان ﵁، عن النبي ﷺ قال: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه»، قال: وأقرأ أبو عبد الرحمن في إمرة عثمان، حتى كان الحجاج قال: (وذاك الذي أقعدني مقعدي هذا) (^٣).
وعن سهل بن سعد، قال: أتت النبي ﷺ امرأة، فقالت: إنها قد وهبت نفسها لله ولرسوله ﷺ، فقال: «ما لي في النساء من حاجة»، فقال رجل: زوجنيها، قال: «أعطها ثوبًا»، قال: لا أجد، قال: «أعطها ولو خاتمًا من
_________________
(١) رواه مسلم: (٨١٧).
(٢) رواه مسلم: (١٩١٢).
(٣) رواه البخاري: (٥٠٢٧).
[ ١١٦ ]
حديد»، فاعتل له، فقال: «ما معك من القرآن؟» قال: كذا وكذا، قال: «فقد زوجتكها بما معك من القرآن» (^١).
والقرآن حجة لك ونجاة من الهلكة والضلال، وفي الحديث: «وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به، كتاب الله» (^٢).
فالقرآن حجة لك أو عليك، فانظر إلى أيهما تصير.
_________________
(١) رواه البخاري: (٥٠٢٩).
(٢) رواه مسلم: (١٢١٨).
[ ١١٧ ]
«فوالله الذي لا إله إلا هو، ما رأيت وأنا ذو النفس الملأى بالذنوب والعيوب أعظم إلانة للقلب، واستدرارًا للدمع، وإحضارًا للخشية، وأبعث على التوبة من تلاوة القرآن وسماع القرآن»
ابن باديس
[تفسير ابن باديس: (٣٩)]
[ ١١٩ ]