ساق ابن عبد البر بسنده في «جامع بيان العلم وفضله» (٣) أن أحمد بن محمد بن شجاع بعثَ غلامًا من غِلْمانه إلى أبي عبد الله بن الأعرابي -صاحب الغريب- يسأله المجيءَ إليه، فعاد إليه الغلام، فقال: قد سألته ذلك، فقال لي: عندي قوم من الأعراب، فإذا قضَيتُ أَرَبي منهم أتيتُ، قال الغلام: وما رأيتُ عنده أحدًا، إلا أن بين يديه كتبًا ينظر فيها، فينظر في هذا مرَّة وفي هذا مرة، ثم ما شعرنا حتى جاء، فقال له
_________________
(١) = (١٠/ ١٥٦)، و«الجليس الصالح»: (١/ ١٦٣- ١٦٤) .
(٢) (ص/ ١٤٠) .
(٣) (٣/ ٤١٩)، وانظر: «السير»: (١٢/ ٢٧٩- ٢٨٠) .
(٤) (٢/ ١٢٢٧- ١٢٢٨) .
[ ٤٨ ]
أبو أيوب: يا أبا عبد الله! سبحان الله العظيم، تخلَّفت عنَّا وحَرَمْتنا الأُنسَ بك، ولقد قال لي الغلامُ: إنه ما رأى عندك أحدًا، وقلتَ: أنا مع قومٍ من الأعراب، فإذا قضيتُ أَرَبي معهم أتيتُ، فقال ابنُ الأعرابي:
لنا جُلَساءٌ ما نَمَلُّ حديثَهم ألِبَّاءُ مأمونون غَيْبًا ومَشْهدا
يُفيدوننا من علمهم علمَ ما مضى وعقلًا وتأديبًا ورأيًا مُسَدَّدا
بِلا فتنةٍ تُخشى ولا سوء عِشْرةٍ ولا يُتَّقَى منهم لسانًا ولا يدا
فإن قلتَ: أمواتٌ فلا أنتَ كاذِبٌ وإن قلتَ: أحياءٌ فلستَ مُفنَّدا
• وقيل لرجلٍ: من يُؤنِسُكَ؟ فضربَ بيده إلى كتبه، وقال: هذه، فقيل: مِن الناسِ؟ فقال: الذين فيها (١) .
خليلي كتابي لا يَعاف وصاليا وإن قلَّ لي مالٌ وولَّى جماليا
كتابي عَشيقي حين لم يبقَ مَعْشَق أُغازله لو كان يدري غزاليا
كتابي جليسي لا أخاف ملاله محدّث صدقٍ لا يخاف ملاليا
كتابي بحر لا يغيض عطاؤه يُفيض عليَّ المال إن غاض ماليا
كتابي دليلٌ لي على خير غايةٍ فمن ثَمَّ إدلالي ومنه دلاليا
قيل: إن هذه الأبيات -وغيرها- كانت على باب خزانة الإمام أبي بكر القفَّال (٢) .
_________________
(١) «تقييد العلم»: (ص/ ١٢٥) .
(٢) «تقييد العلم»: (ص/ ١٢٧) .
[ ٤٩ ]