والعالم كلما ازداد علمًا. ازداد معرفة بفضل العلم ومنزلته ومكانته، وبمقدار ما فاته منه ويفوت= فتاقَت نفسُه -حينئذٍ- إلى المزيد منه، ولو لقي في ذلك الألاقي.
ففي خبر كليم الله موسى - ﷺ - الذي قصَّه القرآن الكريم في سورة الكهف الآيات (٦٠-٨٢)، وذكره النبيُّ - ﷺ - لأصحابه كما في «الصحيحين» (٢) وفيه أن النبي - ﷺ - قال: «بينما موسى في ملأٍ من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: هل تعلم أحدًا أعلمَ منك؟ قال موسى: لا. فأوحى الله إلى موسى: بلى، عَبْدنا خَضِر (٣)، فسألَ موسى السَّبيلَ إليه » الحديث.
قال أبو العبَّاس القرطبي (٤): «وفيه من الفقه: رِحْلة العالِمِ في طلب
_________________
(١) انظر: «الكشّاف»: (٢/ ٤٤٨)، و«تفسير الخازن»: (٣/ ٢٨٢)، و«فتح الباري»: (١/ ١٧٠)، و«محاسن التأويل»: (١١/ ١٩٧) . فائدة: قال الزمخشري: «هذه الآية متضمِّنة للتواضع لله والشكر له، عندما علم من ترتيب التعلُّم، أي: علمتني يا ربِّ لطيفةٌ في باب التعلُّم وأدبًا جميلًا ما كان عندي، فزِدني علمًا إلى علم، فإن لك في كلِّ شيءٍ حكمة وعلمًا» اهـ. «الكشاف»: (٢/ ٤٤٨)، وعنه ما بعده من التفاسير.
(٢) البخاري رقم (٧٤)، ومسلم رقم (٢٣٨٠) من حديث أُبي بن كعبٍ -﵁-.
(٣) بفتح أوله وكسر الثاني، أو بكسر أوله وإسكان الثاني، وجهان.
(٤) «المفْهِم»: (٦/ ١٩٦)، وانظر «مفتاح دار السعادة»: (١/ ٤٨٧- ٤٨٨)، ففيه =
[ ١٦ ]
الازدياد من العلم، والاستعانة على ذلك بالخادم والصاحِب، واغتنام لقاء الفُضَلاء والعلماء، وإن بَعُدت أقطارُهم، وذلك كان دأب السَّلف الصالح، وبسبب ذلك وصلَ المرتحلون إلى الحظ الراجح، وحصلوا على السَّعي الناحج، فَرَسخت في العلوم لهم أقدامٌ، وصحَّ لهم من الذِّكر والأجر أفضلُ الأقسام» اهـ.
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» (١): «وموسى -﵊- لم يمنعه بلوغه من السِّيادة المحلّ الأعلى من طلب العلم وركوب البحر لأجله و[فيه -أي الحديث-]: ركوب البحر في طلب العلم، بل في طلب الاستكثار منه» اهـ.
وذكر الماوردي (٢) عن ابن عباسٍ -﵄- قال: لو كان أحدٌ يكتفي من العلم لاكتفى منه موسى -على نبينا وعليه السلام- لمَّا قال: (هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) [الكهف/ ٦٦] .
أقول: فهذه حال الأنبياء، والعلماءُ ورثتهم، ولم يَرِثوا منهم إلا العلم، فطلبوه وحصَّلوه وتعبوا في سبيله، فأخذوا بحظ وافرٍ.