وهكذا كان ذلك الجيل الفريد قدوة لمن بعدهم، في عكوفهم على العلم، وطلبهم للاستزادة منه، فاحتذوا حذوهم، واقتفوا أثرهم، وشواهد ذلك ماثلة:
فهؤلاء تلاميذ ابن مسعود -﵁- في الكوفة -علقمة والأسود وغيرهم- كانوا إذا سمعوا الحديث والعلم من شيخهم، لم يشف ذلك مافي صدورهم من النهمة، فيرحلون إلى المدينة طَلبًا للعلوِّ وزيادة في التثبت، وإمعانًا في الطلب والتلقي من أفواه العلماء (١) .
قال يحيى بن سعيد القطان (٢): ما رأيتُ أحفظَ منه (أي: سفيان الثوري ١٦١) كنتُ إلا سألته عن مسألةٍ أو عن حديثٍ ليس عنده، اشتدَّ عليه.
فلم يقف العلماء في طلبهم عند حدٍّ محدود، بل استوعبوا قدر الاستطاعة والطاقة، فضربوا بذلك أعجبَ الأمثلة، وأغربَ السِّيَر.
قال الأعمش (٣): كان مجاهد (١٠٤) لا يسمع بأُعجوبة إلا ذهب لينظر إليها! ذهب إلى حَضْرَمَوْت ليرى بئر برهوت، وذهب إلى بابل
_________________
(١) وانظر نماذج أخرى في كتاب الخطيب السالف، و«سنن الدارمي»: (١/ ١٤٩- ١٥١)، و«فتح الباري»: (١/ ٢٣١- ٢٣٢) .
(٢) «تذكرة الحفاظ»: (١/ ٢٠٤) .
(٣) المصدر نفسه: (١/ ٦٢) .
[ ٢٠ ]
وعليه والٍ، فقال له مجاهد: تعرض عَلَيَّ هاروت وماروت ؟.
وذكر ابن حَزم (١) عن يحيى بن مجاهد الزاهد قال: كنتُ آخذ من كلِّ علم طَرفًا، فإن سماع الإنسان قومًا يتحدثون وهو لا يدري ما يقول غُمَّة عظيمة، أو كلامًا هذا معناه.
قال أبو محمد (أي ابن حزم): «ولقد صدق -﵀-» .
وهذا الإمام الدارقطني (٣٨٥) -﵀- وهو من هو تضلُّعًا في علوم الحديث والفقه والقراءات، إلا أنه كان حُفَظَةً للأخبار والنوادر والحكايات.
قال الأزهري (٢): كان الدارقطني ذكيًّا، إذا ذكر شيئًا من العلم (أيّ نوع كان) وجد عنده منه نصيب وافِر، لقد حدّثني محمد بن طلحة النعالي أنه حضر مع الدارقطني دعوةً، فجرى ذِكْر الأَكَلَة، فاندفعَ الدارقطني يورد نوادر الأَكَلَة حتى قطع أكثر ليلته بذلك.
وقال الإمام محمد بن عبد الباقي الأنصاري (٥٣٥) عن نفسه (٣): «حفظتُ القرآن ولي سبع سنين، وما من علمٍ في عالم الله إلا وقد نظرتُ فيه، وحصَّلتُ منه بعضه أو كله» .
ولما أُسِر في أيدي الروم قيَّدوه، وجعلوا الغل في عنقه، وأرادوا منه أن ينطق بكلمة الكفر فلم يفعل، وتعلَّم منها الخطَّ الرومي.
_________________
(١) «رسائل ابن حزم الأندلسي»: (٤/ ٧٢) رسالة مراتب العلوم.
(٢) «تذكرة الحفاظ»: (٣/ ٩٩٣) .
(٣) «الذيل على طبقات الحنابلة»: (١/ ١٩٤) .
[ ٢١ ]