لقد لحظَ الصحابةُ -﵃- ماكان عليه قدوتهم - ﷺ - من
_________________
(١) = كلام نفيس لولا طوله نقلته.
(٢) (١/ ٢٠٢، ٢٠٤)، وانظر «عمدة القاري»: (٢/٦٤)، و«إكمال المعلم»: (٧/ ٣٦٧) .
(٣) في «أدب الدنيا والدين»: (ص/ ١٢٤)، ونَسَبَه في «البيان والتبيُّن»: (١/ ٢٥٨) إلى قتادة.
[ ١٧ ]
حِرْصٍ على العلم، فاقتفوا أثره، وضربوا أمثلة نادرة في الحرص عليه والتفاني من أجله.
فهذا عبد الله بن مسعود -﵁- كان إذا تلى قولَه تعالى: (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا) قال: «اللهم زِدْني عِلْمًا وإيمانًا ويقينًا» (١) .
وقد بلغ -﵁- من شِدَّة اجتهاده وطلبه أن قال: «والله الذي لا إله غيره، ما أُنزلت سورةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلم أين نزلت، ولا أنزلت آيةٌ من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمن أُنزلت، ولو أعلم أحدًا أعلمَ مني بكتاب الله تبلُغُه الإبل لركبتُ إليه» (٢) .
وهذا أبو هريرة -﵁- حافظ الصحابة يصفه - ﷺ - بالحرص على العلم، فقد عَقَد البخاريُّ في «صحيحه» (٣): (بابٌ الحرصُ على الحديث) وذكر فيه حديثَ أبي هريرة -﵁- وسؤاله النبي - ﷺ - عن أسْعد الناس بشفاعته؟ وقوله له: «لقد ظننتُ يا أبا هريرةَ أن لا يسألني عن هذا الحديثِ أحدٌ أوَّلَ منكَ، لِمَا رأيتُ من حِرْصِكَ على الحديثِ » .
قال البدر العيني في «عمدة القاري» (٤): «فيه الحرص على العلموالخير، فإن الحريص يبلغ بحرصه إلى البحث عن الغوامض ودقيق المعاني، لأن الظواهر يستوي الناسُ في السؤال عنها، لاعتراضها
_________________
(١) أخرجه سعيد بن منصور، وعَبْد بن حُميد كما في «الدر المنثور»: (٤/ ٥٥٣) .
(٢) أخرجه البخاري رقم (٥٠٠٢)، ومسلم رقم (٢٤٦٣) .
(٣) «الفتح»: (١/ ٢٣٣) .
(٤) (٢/ ١٢٨) .
[ ١٨ ]
أفكارهم، وما لَطُفَ من المعاني لا يسأل عنها إلا الراسخ فيكون ذلك سببًا للفائدة، ويترتب عليها أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة» اهـ.
وهذا جابر بن عبد الله الأنصاري -﵄- يرحل من المدينة النبوية إلى مصر -مَسِيرة شهر على البعير- من أجل سماع حديثٍ واحد، خاف أن يموتَ ولم يَسْمَعْه (١) .
وأخرج الدارمي (٢) بسندٍ صحيح عن عبد الله بن بريدة: «أن رجلًا من أصحاب النبي - ﷺ - رحلَ إلى فَضَالَة بن عُبيد وهو بمصر، فقدمَ عليه، فقال: أما إني لم آتِكَ زائرًا، ولكن سمعتُ أنا وأنتَ حديثًا من رسول الله - ﷺ - رجوتُ أن يكون عندك منه علم
وعدَّد الحافظ في «الفتح»: (١/ ٢١٠) أمثلة ثم قال: «وتتبُّع ذلك يكثُر» .
_________________
(١) أخرجه أحمد: (٣/ ٤٩٥)، والبخاري في «الأدب المفرد»: (ص/ ٢٨٧)، وعلَّقه مجزومًا به في «الصحيح» (الفتح): (١/ ٢٠٨)، والحاكم: (٢/ ٤٢٧)، والخطيب في «الرحلة»: (ص/ ١٠٩- ١١٤) من طريق عبد الله ابن محمد بن عقيل عن جابرٍ به، وابن عقيلٍ مُتكلَّم فيه من قِبَل حفظه. وله طريق أخرى عن الحجَّاج بن دينار، عن محمد بن المنكدر، عن جابر به. أخرجه الطبراني في «مسند الشاميين»: (١/ ١٠٤)، وتمَّام في «الفوائد» رقم (٩٢٨) . قال الحافظ في «الفتح»: (١/ ٢٠٩): «إسناده صحيح» . وله طريق ثالثة عن أبي الجارود العبسي عن جابر. أخرجه الخطيب في «الرحلة»: (ص/ ١١٥)، وضعفه الحافظ في «الفتح» .
(٢) «السنن»: (١/ ١٥١)، والخطيب في «الرحلة»: (ص/ ١٢٤- ١٢٥) كلاهما من طريق يزيد بن هارون عن الجُريري به.
[ ١٩ ]
وقد ألَّف الخطيبُ كتابه «الرحلة في طلب الحديث» فيمن رحل في طلب حديث واحد.