- ٢ -
كان الباعث لي على تصنيف هذا الكتاب وتأليفه أمران:
الأول: ما رأيته -ورآه غيري- من عُزُوف كثير من (طلبة العلم!!) -لا سواهم- عن إيلاء كتب العلم مكانتها، وإنزالها منزلتها، فاشتغلوا عنها بغيرها.
فجماعة منهم ظنوا أنهم قد بلغوا من العلم ما لا يُحتاج معه إلى مزيد قراءةٍ واطلاع، فقنعوا بما أحرزوه من ألقاب!! وشهادات!! ومناصب ووجاهة!!.
فما هو إلا أن حاز «اللقب» حتى أعرض عن الطَّلَب، وقد كان يدّعي العكس، يقول: دعوني أضع همَّ «اللقب» ثم أُمْعِن في الطلب! فما باله انقلب!!.
وياليته وقف هنا فحسب، لكنه اتكأ على أريكته وعرَّض الوساد، وتنمَّر على العباد، وانسلخ من طلب العلم إلى طلب الدنيا، فأصبح «اللقب) حينئذٍ خديعة يخدع بها المرءُ نفسَه وغيره.
ولو كانت الألقاب تؤخذ عن أهليَّةٍ واستحقاق، لهنان الخطْبُ وانقطع الخِطاب، لكن العكس هو الواقع، فأصبحتْ أحيانًا تُباع وتُشْترى، وأحيانًا تُعطى لبحوثٍ هزيلة، وأحيانًا لبحوث منقولة عن غيرها، وهكذا في سلسلة نكِدة من التخاذل العلمي، فهل يوثق بعد هذا بشهادةٍ أو لقب (١)؟!.
_________________
(١) لكن بعض الصالحين لم يستطع التخلُّصَ من ضغط الواقع في اعتبار هذه (الألقاب السحرية!!) كل شيءٍ، فمع يقينه أنها لا شيء إلا أنه -دائمًا- لا يستطيع أن =
[ ٧ ]
وما أصدق الشاعر محمد رضا الشَّبِيْبي العراقي في قوله:
فتنةُ الناسٍ -وُقِيْنا الفِتَنا- باطلُ الحَمْدِ ومَكْذوبُ الثَّنا
لم تزلْ -ويحكَ يا عصرُ أَفِقْ- عَصْرَ ألقابٍ كِبارٍ وكُنىً
حَكَمَ الناسُ على الناسِ بما سمعوا عنهم وغَضُّو الأعْيُنا
فاسْتَحالت -وأَنا مِن بعضِهم- أُذني عَيْنًا وعيني أُذُنا (١)
وجماعة منهم قنعوا بمتابعة ما تتسارع شركات الحاسوب في إنتاجه، من أقراصٍ تحوي العشرات بل المئات من الكتب في جميع الفنون! وظنوا أن هذه تُغني عن شراء الكتب واقتنائها ومطالعتها ودَرْسها! وما عَلِم هؤلاء (أو عَلِموا ولكن ) أنهم قد اسْتَسْمنوا ذا وَرَم ونفخوا في غير ضَرَم، فأنزلوا هذه الآلة (الصمّاء) (٢) منزلةً ليست لها، ووطَّنوها مكانًا ما ينبغي لها، أرادوا بها -وهيهات- أن يسبقوا الرَّكْبَ، ويُحقِّقوا المسائل، ويستدركوا على العلماء، أرادوا كلَّ ذلك= بِلَمْسةٍ على زِرًّ! فيا لله العجب! وأعجبُ منه: أن ينسبوا كل ذلك الفضل
_________________
(١) = يكتب اسمه دون أن يسبقه بـ (اللقب)، وتالله لو وضع قبل اسمه ما شاء من ألقابٍ وشارات لَمَا أغناه ذلك شيئًا! ولكنه اللقب، فمتى سُلِبَ سُلِبَ معه كلُّ شيءٍ. وبعض هؤلاء يُعبِّر بطريقة أُخرى، فحالما يحصل على شهادة «اللقب» إلا ويسارع بوضعها في مكان بارزٍ في مكتبته محاطة بإطار جميل، ولسان حاله يقول: لله أبي! لقد بلغتُ مرتبة الراسخين!!. وكم من شهاداتٍ يَغُرُّ جمالُها وقيمَتُها النَّقْش الذي في إطارِها
(٢) انظر: «تقريب الألقاب العلمية»: (ص/ ٣٣) .
(٣) لا يُفْهَم من هذا أن الحاسوب لا قيمة له ولا فائدة منه، بل له فوائد كثيرة تُقَدَّر بقدرها ولا تعدوا طَوْرَها، ولست هنا لتعديد محاسنه ولا لتبيين مزاياه!!.
[ ٨ ]