والمكتبة الضخمة، وأبا العلاء الهَمَذَاني (٥٦٩) العلامة المتفنن، عاشق الكتب، والوزير الصالح العالم ابن هُبَيرة (١) (٥٦٠) صاحب الأيادي البيضاء على العلم والعلماء، وغيرهم، فماذا نقول إذًا في عصرٍ قد اجتمع فيه إلى ضعفِ الهِمَم، وخَوَر العزائم، سَيْلٌ هادر من المُلْهِيات والمشغلات عن القراءة، بل عن العلم جملةً!!.
وسنفقد المزيدَ من هذا التراث إذا نحن انسقنا أمام تلك المُلْهيات، وشغلتنا تلك الصوارف بِبَرِيْقها وبَهْرجها، فيا لها من خسارةٍ فادحة وغَبْن عظيم!! فهل يجوزُ لطالبِ علمٍ أن يكون مُعِينًا -ولو بأقلِّ القليل- على ضياع شيءٍ من هذا التراث؟!.
كلاَّ!!.
- ٥ -
قسَّمت هذه الرِّسالة إلى فصول:
الأول: في الحثِّ على الازدياد من العلم والتبحُّر فيه.
الثاني: حرص العلماء وشغفهم بالكتب، قراءةً وتحصيلًا.
الثالث: في قراءة المطوَّلات في مجالسَ معدودة.
الرابع: في تَكْرار قراءة الكتاب الواحد المرات الكثيرة.
الخامس: في تدريس الكتاب الواحد المرات الكثيرة.
السَّادس: في نَسْخ الكُتُب وما تحمَّلوه في ذلك.
_________________
(١) والأربعة حنابلة -رحمهم الله تعالى-.
[ ١٢ ]
السابع: إيقاظاتٌ وتنبهات.
ونصوص هذه الرسالة لا أعلمها مجموعةً في كتاب، ولا مدوَّنة في مكانٍ واحدٍ، جمعتُها من بطون كتب السِّيَر والتراجم، والتاريخ والطبقات، فضممتُ النظيرَ إلى نظيره، والقصةَ إلى أُختها، بعد طول نظرٍ وفحص، لا أقول هذا تكثُّرًا ولا تزيُّدًا، لكن أقوله تحدُّثًا بالنعمة ودفعًا للظِّنَّة، وليس قصدي استيعاب كل ما يمكن أن تنطوي عليه هذه الفصول، إذ محاولة ذلك غير مُجْدٍ ولا مطلوب (١) .
وأنا غير مُسْتكنفٍ ولا مُسْتكبر عن قبول استدراك أو ملاحظة (٢)، بل صَدْري أرحب لتقبُّل ذلك من ثناء مثنٍ أو مدح مادح!!.
أسأل اللهَ -تعالى- أن يُحقِّق ما أَمَّلْته من هذا الكتاب، وأن يتقبل ذلك عنده بقبولٍ حسن، اللهم علِّمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما عَلَّمتنا، وزِدنا عِلمًا، إنك على كل شيءٍ قدير، وصلى الله وسلم على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه.
وكتب
علي بن محمد العِمْران
تحريرًا في ٢٠/٤/١٤٢٠هـ
مكة المكرمة، ص. ب (٢٩٢٨)
_________________
(١) أما كونه غير مُجْدٍ، فلأنَّ استيفاء ذلك يُضاعف حجم الكتاب، فنحتاج حينئذٍ إلى مُشوِّق يُشوّقنا إلى قراءة «المشوِّق» !!. وأما كونه غير مطلوب، فلأن محاولة ذلك ضرب من الخيال، وسوءٌ في التدبير، فهل يحيط أحدٌ بكتب التاريخ ومُتعلَّقاته!؟.
(٢) هنا أشكر أخي الأستاذ خالدًا الزهراني، إذ زوَّدني ببعض القَصص والأخبار.
[ ١٣ ]