وكان كثير من مشاهير العلماء لا يمشي إلا وفي يده كتب أو أجزاء يُطالعها، وذلك لمزيد شغفهم بالقراءة والاطلاع، وعظيم حرصهم على أوقاتهم من الضياع.
• قال الذهبي في «السير» (١): «قال ابنُ الآبنوسي: كان الحافظ الخطيب يمشي وفي يده جُزْءٌ يُطالعه» .
• وفي «تذكرة الحفاظ» (٢) للذهبي في ترجمة أبي داود السجستاني صاحب «السنن»: «قال ابنُ دَاسَة: كان لأبي داود كُمٌّ واسع وكمٌّ ضيِّق، فقيل له في ذلك؟ فقال: الواسع للكتب، والآخر لا يُحتاج إليه» .
• وفي ترجمة العلامة النحوي أحمد بن يحيى المعروف بثَعْلَب ت (٢٩١) من كتاب «وفيات الأعيان» (٣) لابن خَلِّكان قال: «كان سببَ وفاته: أنه خرج من الجامع يوم الجمعة بعد العصر، وكان قد لحقه صَمَمٌ لا يسمع إلا بعد تعب، وكان في يده كتاب ينظر فيه في الطريق، فصدمَتْه فرسٌ، فألقَتْهُ في هُوَّةٍ، فأُخرج منها وهو كالمختلط، فحُمِل إلى منزله على تلك الحال وهو يتأوَّه مِن رأسه، فمات ثاني يومٍ» اهـ.
_________________
(١) (١٨/ ٢٨١) .
(٢) (٢/ ٥٩٢) .
(٣) (١/ ١٠٤) .
[ ٦١ ]
• وذكر العسكري في «الحث على طلب العلم» (١): أن أبا بكرٍ الخياط -العلامة النحوي محمد بن أحمد البغدادي ت (٣٢٠) - كان يَدْرُسُ جميعَ أوقاته، حتى في الطريق، وكان ربَّما سقَط في جُرْف أو خبطته دابَّة» .
• وتقدم معنا خبر الإمام سُلَيم الرازي (٢) .
• وكان كثير من العلماء يُقرأ عليه الكتاب وهو يمشي في الطريق صِيانة للوقت، وحبًّا في الإفادة، كما هو الحال في ترجمة الحافظ أبي نعيم الأصبهاني صاحب «الحلية» ت (٤٣٠) كما في «تذكرة الحفاظ» (٣) .
• وكذلك في ترجمة الإمام علم الدين السخاوي المقرىء (٦٤٣) كما في ترجمة من كتاب «طبقات القراء الكبار» (٤) .
أقول: وممن شهدناه على هذه الحال في القراءة عليه واستفتائه وهو يمشي شيخنا وشيخ مشايخنا العلامة عبد العزيز بن باز (١٤٢٠) -رحمه الله تعالى- فقد كان ذلك ديدنه وهِجِّيْراه، بنفسٍ منشرحة ووجهٍ طَلِق، فجزاه الله عن العلم وأهله خيرًا.
استوفى مكتبته قراءة، وفيها (٧٠٠) مجلد
ففي ترجمة أبي بكر بن أحمد تقي الدين ابن قاضي شُهبة (٥) من
_________________
(١) (ص/ ٧٧) .
(٢) (ص/ ٥١) .
(٣) (٣/ ١٠٩٤) .
(٤) (٣/ ١١٠٥) .
(٥) معروف كسَلَفِه بابن قاضي شُهْبَة، لكون النجم والد جده أقامَ قاضيًا بشُهْبة السوداء أربعين سنة.
[ ٦٢ ]
«الضوء اللامع» (١) قال: «وكتب بخطه الكثير، بحيث لو قال القائل: إنه كتب مئتي مجلد لم يتجاوز، وخطه فائق دقيق.
وبِيْع في تركته نحو سبع مئة مجلد، كاد أن يستوفيها مطالعة» اهـ.