وفي هذا الباب عجائب وغرائب، فرحم الله تلك الأجساد، وأنزلها منازل الرِّضوان، كِفاء ما عملوا، وجزاء ما صبروا.
• ذكر الذهبي في «تذكرة الحفّاظ» (٢) عن ابن طاهر المقدسي أنه قال: بُلْتُ الدمَ في طلب الحديث مرتين، مرَّةً ببغداد، ومرة بمكة. كنتُ أمشي حفيًا في الحرِّ فلحقني ذلك، وما ركبتُ دابَّة قط في طلب
_________________
(١) (٢/ ٣٠) .
(٢) (٤/ ١٢٤٣) .
[ ٤٤ ]
الحديث، وكنت أحمل كتبي على ظهري، وما سألتُ في حال الطلبِ أحدًا، كنتُ أعِيشُ على ما يأتي» اهـ.
• وذكر الذهبي -أيضًا- في «التذكرة» (١) عن الدغولي أنه قال: «أربعُ مجلَّداتٍ لا تُفارقني سفرًا وحضرًا، كتاب المُزَني، وكتاب العَيْن، والتاريخ للبخاري، وكليلة ودِمْنة» (٢) .
• وفي ترجمة الإمام الحافظ الحسن بن أحمد الهَمَذاني في «الذيل على طبقات الحنابلة» (٣) عن تلميذه الحافظ عبد القادر الرُّهاوي أنه قال عنه: «وكان عفيفًا من حبِّ المال، مهينًا له، باع جميعَ ما ورثه -وكان من أبناء التُّجار- فأنفقَه في طلب العلمِ، حتى سافر إلى بغداد وأصبهان مرَّات ماشيًا يحمل كتبه على ظهره» اهـ.
ولما استقرَّ في بلده -بعد عودته من رحلته- عملَ دارًا للكتب وخزانةً وقفَ جميعَ كتبه فيها، وكان قد حصَّل الأصولَ الكثيرة، والكتبَ الكِبار الحِسَان بالخطوط المعتبرة.
_________________
(١) (٣/ ٨٢٤) .
(٢) كتاب المزني: هو مختصره المشهور في فقه الشافعي. كتاب العين: هو للخليل بن أحمد الفراهيدي في اللغة، أول كتابٍ معجمي. كتاب التاريخ: للإمام البخاري، وله ثلاثة تواريخ، ولعل المقصود هنا: الكبير، وشُهْرته أظهر من أن تُذكَر، قال السخاوي في «الإعلان بالتوبيخ»: (ص/ ٧٩): «لو لم يكن من شرف هذا الفن -أي التاريخ- إلا كتابة البخاري لـ «تاريخه» في الليالي المُقْمرة في الروضة -الشريفة- وصلاته ركعتين لكل ترجمةٍ: لَكَفى» اهـ. وكليلة ودِمْنة: لابن المقفَّع، في الأدب والحكايات.
(٣) (١/ ٣٢٦) .
[ ٤٥ ]
• وفي «المرقبَة العُلْيا» (١) لأبي الحسن المالقي في ترجمة القاضي أحمد بن يزيد -الأموي مِن وَلَد بَقِيّ بن مخلد القرطبي ت (٦٢٥): أنه ألَّف كتابًا في الآيات المتشابهات، قيل: إنه من أحسن شيءٍ في بابه، وكان لا يُفارقه في سَفَر ولا في حَضَر.
• وذكر الحافظ الذهبي في «سِيَر أعلامٍ النُّبلاء» (٢) في ترجمة القاضي الرَّامَهُرْمُزي لمَّا ذكر كتابه: «المحدِّث الفاصل» قال: «في علوم الحديث، وما أحسنه من كتاب (٣) ! قيل: إنَّ السِّلَفِي كان لا يكادُ يُفارق كُمَّه -يعني في بعضِ عمره-» اهـ.
• وفي «سِيَر النبلاءِ» (٤) -أيضًا-: «قال الحافظ يحيى بن عبد الوهاب (ابن منده): كنتُ مع عمي عبيد الله في طريق نَيْسابور، فلما بلغنا بِئر مَجَنَّة، قال عمِّي: كنت ها هنا مرَّةً، فعرضَ لي شيخ جمَّال، فقال: كنتُ قافلًا من خراسان مع أبي، فلمَّا وصلنا إلى ها هنا، إذا نحن بأربعين وِقْرًا من الأحمال، فظننا أنها منسوج الثياب، وإذا خيمة صغيرة فيها شيخ، فإذا هو والدك، فسأله بعضُنا عن تلك الأحمال؟ فقال: هذا متاعٌ قلَّ من يرغبُ فيه في هذا الزمان، هذا حديث رسول الله - ﷺ -» اهـ.
• وفي «طبقات الحنابلة» (٥) لابن أبي يَعْلى، و«تذكرة الحفاظ» (٦)
_________________
(١) «المرقَبةُ العُلْيا فيمن يستحق القضاء والفُتْيا»: (ص/ ١١٧- ١١٨) .
(٢) (١٦/ ٧٣) .
(٣) وقال الذهبيُّ بعدُ: وكتابُه المذكور يُنبىء عن إمامته.
(٤) (١٧/ ٣٧) .
(٥) (١/ ١١٤) .
(٦) (٢/ ٥٢٤) .
[ ٤٦ ]
للذهبي في ترجمة إسحاق بن منصور الكَوْسَج (٢٥١): «عن حسان ابن محمد قال: سمعتُ مشايخَنَا يذكرون: أن إسحاق بن منصور بلغه أن أحمد بن حنبل رجع عن تلك المسائل التي علَّقها عنه. قال: فجمعَ إسحاق بن منصور تلك المسائل في جِرابٍ، وحملها على ظهره، وخرج راجلًا إلى بغداد وهي على ظهره. وعرض خُطوطَ أحمد عليه في كلِّ مسألةٍ استفتاه فيها، فأقرَّ له بها ثانيًا. وأُعْجِب أحمدُ بذلك من شأنه» اهـ.
• وذكر ياقوت في «معجم الأدباء» (١)، والقِفطي في «إنباه الرواة» (٢) وعنه ابن خلكان في «الوفيات» (٣) في ترجمة اللغوي ابن الخطيب التِّبْرِيْزي (٥٠٢) أنه حصلت له نسخة لكتاب الأزهري (تهذيب اللغة) في عدة مجلدات لِطَاف، وأراد أخذها عن عالمٍ باللغة، فدُلَّ علي أبي العلاء المعرِّي، فجعلها في مِخْلاةٍ، وحملها على كتفه من تِبْريز إلى المعرَّة -ولم يكن له ما يستأجر به مركوبًا- فنَفَذَ العرقُ من ظهره إليها.
وقيل: إنها ببعض الوقوف البغداذية وأن الجاهل بخبرها إذا رآها يظن أنها غريقة، وليس الذي بها إلا عَرَق يحيى بن علي -﵀-.