أعلم، وفقني الله وإياك، أنه قد ورد إطلاق غفران جميع الذنوب عند فعل [بعض] الطاعات من [غير] تقييد بالتوبة، كأحاديث الوضوء تكفر ذنوب، من توضأ، هكذا غفر له ما تقدم من ذنبه. وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة. من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه. من صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه غفر له، ما تقدم من ذنبه. من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه ونحوها. قال الزركشي: وقد حملوا على ذلك الصغائر، فإن الكبائر لا تكفرها إلا التوبة، ونازع في ذلك صاحب الذخيرة، وقال: فضل الله أوسع من ذلك، وكذلك قال ابن المنذر في الإشراف في كتاب الاعتكاف في قوله (ﷺ): من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له من تقدم من ذنبه، قال: يغفر ذنوبه صغيرها وكبيرها، وحكاه ابن عبد البر عن بعض المعاصرين له، قيل: يريد به أبا محمد الأصيلي المحدث، فقال: يقول إن الكبائر والصغائر تكفرها الطهارة والصلاة لظاهر الأحاديث، قال: وهو جهل بين، موافقة للمرجئة في قولهم، ولو كان كما زعموا لم يكن للأمر بالتوبة معنى، وقد أجمع أنها فرضت لقوله (ﷺ): كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر. أ. هـ. قوله (ﷺ): كفارة لما بينهن ما اجتنبت الكبائر. أ. هـ. قوله وهو جمل إلى الآخر ليس بالخالي عن الإفراط؛ إذ الفرق بين القول بعموم التكفير وبين ما ذهب إليه المرجئة في غاية الوضوح، ولو صحَّ ذلك ذهابًا إلى قول المرجئة كلزوم مثله بالنسبة إلى التوبة، فإنه يسلم أن التوبة تكفر الصغائر والكبائر، وهي من جملة أعمال العبد، وكما جاز أن يجعل الله تعالى هذا العمل الذي هو التوبة سببًا لتكفير جميع الذنوب، يجوز أن يجعل غيره من الأعمال كذلك.
وقوله: ولو كان كما زعموا إلى آخره مردودًا؛ لأنه لا يلزمن تكفير الذنوب الحاصلة عدم الأمر بالتوبة، وكونها فرضًا إذ تركها من الذنوب المتجددة التي لا
يتناولها التكفير السابق بفعل الوضوء مثلًا، ألا ترى أن
[ ١٨٦ ]
التوبة من الصغائر واجبة على ما ذكره الأشعري، وحكى إمام الحرمين وتلميذه الأنصاري الإجماع عليه، ومع ذلك فجميع الصغائر مكفرة بنص الشارع وإن لم يتب منها، على ما تقدم، وتحقيق ذلك أن التوبة واجبة في نفسها على الفور، ومن أخرها تكرر عصيانه بتكرر الأزمنة المتسعة لها كما صرخ به الشيخ عز الدين بن عبد السلام، ولا يلزم من تكفير الله تعالى لذنوب عبده، بمعنى مغفرتها، سقوط شيء أوجبه الله عليه وهو مطالب به حالة المغفرة، فلا يلزم من كون الشيء مكفرًا جميع الذنوب سقوط التكليف بالشرط الذي كلف بها تكليفًا مستمرًا. وقريب من هذا ارتفاع الإثم عن النائم إذا أخر الصلاة عن وقتها مع الأمر بقضائها، لكن قد توقف السبكي في وجوب التوبة من الصغائر عينًا، وقال: لعل وقوعها يكفر بالصلاة واجتناب الكبائر بمقتضى أن الواجب إما التوبة أو فعل ما يكفرها، قال: وبتقدير الوجوب فيحتمل أنها لا تجب على الفور، وقال الزركشي عقب نقل ذلك: فيجتمع له في المسألة ثلاثة احتمالات: وجوب التوبة عينًا على الفور كالكبيرة، وهو مذهب الأشعري، ووجوبها لكن لا على الفور بخلاف الكبيرة، ووجوب أحد الأمرين التوبة أو فعل المكفر، قال: وكأن يرد الخلاف بين الأشعري وأبي هاشم إلى هذا، ونقول: ليس مراد الأشعري تعين التوبة، بل محو الذنب، وخالفه ولده تاج الدين، قال: والذي أراه وجوب التوبة عينًا، وعلى الفور من كل ذنب، نعم إن فرض عدم التوبة عن الصغيرة، ثم جاءت مكفرة كفرت الصغيرتين، وهما ترك الصغيرة وعدم التوبة منها. أ. هـ. وينبغي أن يكون مراده بتكفير عدم التوبة تأخيرها إلا أنّ التوبة تسقط بالمكفرات تصريحه بوجوبها عينًا، فهي كالصلاة وغيرها من الأفعال الواجبة، والمراد بالتوبة الندم على المعصية من
[ ١٨٧ ]
حيث أنها معصية، وإنما يتحقق بالإقلاع، وإن لم يكن قد انتهت، وعزم ألا يعود إليها، وذلك تدارك ما
يمكنه تداركه حيث يوجد المكفر، وأما الاستدلال بحديث ما اجتنبت الكبائر فممنوع؛ لأنه ورد في فعل خاص فلا يتعداه؛ إذ الأصل بقاء ما عداه على عمومه، وهذا مما لا مجال للقياس فيه حتى يخص بالقياس على ذلك، بل ورد في بعض الأحاديث ما يدل على غفران الكبائر أيضًا، فلا يليق نسبة قائل ذلك إلى الجهل، نعم تكفير الكبائر إنما هو مظنون؛ لأنه أدلته ظنيّة، فيقوى بذلك الرجاء في كرم الله تعالى، وقد قال فيما حكاه عنه (ﷺ) أنا عند ظنّ عبدي بي. . . الحديث.
وأعلم أنه قد ورد في بعض الخصال بسبب تكفير الذنوب وحصول الثواب، وبعضها سبب لحصول أحدهما فقط، ومن المهم تحقيق القول في ذلك، وقد ذكره القرافي في قواعده، فقال: وأعلم أن كثيرًا من الناس يعتقد أنّ المصائب سبب في حصول المثوبات، وليس كذلك، وتحقيق الفرق بين المكفرات وأسباب المثوبات أن المثوبة لها شرطان: أحدهما: أن يكون من كسب العبد ومقدوره، فما لا كسب له فيه، ومالا هو في قدرته، أو هو من جنس مقدوره إلا أنه لم يقع مقدوره كجناية على عضو من أعضائه لا مثوبة له فيه، وأصل ذلك قوله ﷾: ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾، فحصر ما له فيما له من سعته وكسبه، وقوله ﷿: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فحصر الجزاء فيما هو معمول لنا ومفعول. وثانيهما: أن يكون ذلك المكتسب مأمورًا به، فما لا أمر فيه كالأفعال قبل البعثة، وكأفعال الحيوانات العجاوات، فإنها مكتسبة مرادة لها، واقعة باختيارها، ولا ثواب لها فيها لعدم الأمر به، وكذلك الموتى يسمعون في قبورهم المواعظ والقرآن والذكر والتسبيح والتهليل ولا ثواب لهم على الصحيح، لأنهم غير مأمورين بعد الموت ولا منهيين، هذا حديث أسباب المثوبات.
أما الكفارات فلا يشترط فيها شيء من ذلك، بل قد تكون كذلك مكتسبة مقدورة
من باب الحسنات، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، وقد لا تكون كذلك كما تكفر التوبة والعقوبات السيئات وتمحو آثارها، ومن ذلك المصائب المؤلمات لقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾، ولقوله (ﷺ): لا يصيب المؤمن من وصب ولا نصب حتى الشوكة يشاكها إلا كفر بها من ذنوبه؛ فالمصيبة كفارة للذنوب جزمًا سواء اقترن بها السخط أو السخط والرضى، فالسخط معصية أخرى، ونعني بالسخط عدم الرضا بالقضاء لا التألم بالمصائب المقضيات، والصبر فيه قربة من القرب
[ ١٨٨ ]
الجميلة، فإذا سخط حصلت سيئة، ثم تكون هذه السيئة قدر السيئة التي كفرتها المصيبة أو أقل أو أعظم بحسب كثرة السخط وقلته، وعظم المصيبة وصغرها، فإن المصيبة العظيمة تكفر من السيئات أكثر من المصيبة اليسيرة. فالتكفير واقع قطعًا سخط المصاب أو صبر، غير أنه إن صبر اجتمع التكفير، وإن سخط فقد يعود الذي كفر بالمصيبة كما جناه من السخط أو أقل منه أو أكثر، وعلى هذا يحمل ما في بعض الأحاديث من ترتيب المثوبات على المصائب؛ أي إذا صبر ليس إلا، فالمصيبة لا ثواب فيها قطعًا من جهة أنها مصيبة؛ لأنها غير مكتسبة، والتكفير يقع على المكتسب وغير المكتسب، ومنه قوله (ﷺ) في صحيح مسلم وغيره: لا يموتن لأحدكم ثلاثة من الولد إلا كن له حجابًا من النار، قال قلت: يا رسول الله واثنان قال: واثنان. . الحديث. فالحجاب راجع إلى معنى التكفير؛ أي تكفير مصيبة فقد الولد ذنوبًا، كان شأنها أن يدخل بها النار، فلما كفرت تلك الذنوب بطل دخول النار. والتكفير في موت الأولاد ونحوهم، إنما هو سبب الآلام الداخلة على القلب من فقد المحبوب، فإنّ كثر كثر التكفير، وإنّ قل قل التكفير، ولا جرم يكون التكفير على قدر نفاسة الولد في صفاته، (ونفاسته في بره وأحواله)، فإن كان الولد مكروهًا يسر فقده فلا كفارة بفقده (ألبتة) وإنما أطلق
ﷺ التكفير بموت الأولاد بناءً على الغالب أنه يؤلم، فظهر لك الفرق بين المكفرات وأسباب المثوبات، فهذه مباحث، وعلى هذا لا يجوز أن يقال للمصاب بمرض، أو فقد محبوب، أو غير ذلك: جعل الله لك هذه المصيبة كفارة؛ لأنها كفارة قطعًا، والدعاء بتحصيل الحاصل لا يجوز؛ لأنه قلة أدب مع الله تعالى، وقد بسطت هذا في كتاب المنجيات والموبقات في الأدعية، بل يقال: اللهم عظم له الكفارة، فإن تعظيمها لم يعلم بمثوبة بخلاف أصل التكفير، فإنه معلوم لنا بالنصوص الواردة في كتاب الله والسنة، فلا يجوز طلبه، فعلم ذلك ونظائره، قلت وفيه نظر من وجوه.
الأول ما ذكره أن المصائب لا تكون سببًا في حصول المثوبة، أخذه من شيخه عز الدين بن عبد السلام؛ فإنه قال: ظن بعض الجهلة أن المصاب مأجور، وهو خطأ صريح؛ فإنَّ الثواب والعقاب إنما هو على الكسب، والمصاب ليس منها بل الأجر على الصبر والرضى. وهذا منظور فيه؛ لأنَّ الثواب والعقاب الخاص بكسب العبد هو الذي يريد وجه الله مجازاته على عمله، وإلا يجوز أن ينيله بمحض الله تعالى المصائب سببًا لإنالته المثوبات لعبده بمحض فضله، لأنه من قبيل المجازاة على المصيبة؛ لأنها ليست من عملهم، والجزاء إنما يكون من العمل، وقد عدّ (ﷺ) من الشهداء الغريق والميت هدمًا ونحو ذلك، وليس المراد سوى إنالتهم الثواب عند المصيبة، وأما الصبر والرضى فأمر زائد كما قرره القرافي لا حاجة تدعو إلى صرف الأحاديث عن ظواهرها، لما تقدم من جواز ذلك [، نعم لا يسمى ذلك أجرًا بمعنى ما يقابل العمل. هكذا ظهر لي، ثمّ رأيت نحو ذلك] (*) في كلام الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر، فإنه ذكر حديث: ما من مصيبة تصيب المسلم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله تعالى بها عنه، ثم قال في رواية مسلم: ما من مصيبة يصاب بها المسلم، ولأحمد: ما من وجع أو مرض يصيب المؤمن. ولابن حبان ما من مسلم
_________________
(١) (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: ما بين المعكوفين ليس في المطبوع، واستدركته من طبعة ابن حزم بتحقيق محمد شايب شريف
[ ١٨٩ ]
يشاك شوكة فما فوقها وفي رواية أحمد
إلا كانت كفارة لذنبه، ووقع في رواية ابن حبان المذكورة إلا رفعه الله درجة، وحط عنه بها خطيئة، ومثله لمسلم في بعض طرقه، وهذا يقتضي حصول الأمرين معًا، حصول الثواب ورفع العقاب، وشاهده ما أخرجه الطبراني في الأوسط، من وجه آخر، عن عائشة ﵂ بلفظ: ما ضرب على مؤمن عِرق قط إلا حط الله تعالى عنه خطيئة وكتب له حسنة، ورفع له درجة وسنده جيد. وأما ما أخرجه مسلم من طريق عمرة عنها إلا كتب الله تعالى له بها حسنة أو حطَّ عنه بها، فكذا وقع فيه بلفظ، فيحتمل أن يكون شكًا من الراوي، ويحتمل التنويع وهو أوجه، ويكون بمعنى إلا كتب الله بها حسنة، أو لم يكن عليه خطايا، أو حط عنه خطيئة، أو كانت له خطايا، ووقع لهذا الحديث سبب أخرجه أحمد وصححه ابن عوانة، والحاكم من طريق عبد الرحمن ابن شيبة العبدري: أن عائشة ﵂ أخبرته أن رسول الله (ﷺ) طرقه وجع، فجعل يتقلب على فراشه ويشتكي، فقالت له ﵂: لو صنع هذا بعضنُا لوجدت عليه، فقال: إنَّ الصالحين شدد عليهم، وإنه لا يصيب المؤمن. . . الحديث، ثم قال في هذا الحديث تعقب على الشيخ عز الدين بن عبد السلام حيث قال: ظن بعض الجهلة أنَّ المصاب مأجور وهو خطأ صريح، ووجه التعقب أن الأحاديث الصحيحة صريحة في ثبوت الأجر بمجرد دخول المصيبة، ثم رأيت الأسنوي قد قال إن الشافعي ﵁ قد نصّ في الأم على ما يرد مقاله ابن عبد السلام السابقة، فإنه قال في باب طلاق السكران: فإن قال قائل: فهذا مغلوب على عقله، والمريض والمجنون مغلوب على عقله، قيل المريض مأجور مكفر عنه بالمرض، مرفوع عنه القلم إذا ذهب عقله. وهذا إثم مضروب على السكر غير مرفوع عنه القلم، فكيف يقاس من عليه العقاب بمن له الثواب. أ. هـ. قال الأسنوي: وهذا حكم بأجر المريض مع زوال عقله، ومن المعلوم انتفاء الصبر
والرضى في تلك الحالة.
وقد يقال الذي أنكره الشيخ عز الدين، وشنع في الرد على قائله إنما هو تسمية ما وعد به الشارع على ذلك أجرًا، يعني ما يقال به العمل، فإنَّ تعليله يرشد لذلك، وإلا فبعيد أن ينكر ما قدمناه، ويلزم عليه أن حال المذنب الخطأ أكثر فائدة وانتفاعًا بحصول المصائب به ممن ليس عليه ذنب إذا اشتركا في الصبر وعدمه، وأنّ حال الأول أكمل، وهو بعيد من الحكمة الإلهية. وقد رأيت بعد سنين من جمع هذا الكتاب في التمهيد لابن عبد البر. . .
[ ١٩٠ ]
حكاية الإجماع على أن الذنوب تكفرها المصائب والآلام والأمراض والأسقام، ثم روى بسنده إلى أن معمر بن عبد الله بن مسعود أن الوجع لا يكتب به الأجر، قال: وكان إذا حدثنا شيئًا لم نسأله حتى يعبر لنا. قال: فكبر ذلك علينا؟. قال: ولكن تكفر به الخطيئة. أ. هـ. فكان هذا هو أصل مأخذ ابن عبد السلام، والله تعالى أعلم.
الثاني قوله: وكذلك الموتى يسمعون في قبورهم المواعظ والقرآن والذكر والتسبيح والتهليل، ولا ثواب لهم على الصحيح؛ لأنهم غير مأمورين بعد الموت ولا منهيين، منظور فيه، بل سماع الميت هذا الأمر سبب في إثابة الله تعالى له بمنزل الرحمة عليه فضلًا منه تعالى؛ لأنه في مقابلة عمل له حتى يحتاج إلى الأمر في ذلك، ولهذا نقل الرافعي والنووي عن القاضي أبي الطيب وأقرانه: أنه سأل عن قراءة القرآن في المقابر، فقال: ثواب القراءة للقارئ، ويكون الميت كالحاضر ترجى له الرحمة والبركة، فيستحب قراءة القرآن في المقابر. ولهذا أيضًا رجح النووي ما أفتى به القاضي حسين من صحة استئجار من يقرأ القرآن على رأس القبر مدة، مع أن شرط صحة الإجارة حصول المنفعة لمن عقدته الإجارة، قال فإنَّ موضع القرآن موضع بركة وتنزل كالمطر، فينعم القارئ ومن حوله، على
أنه قد استشكل ما ورد من صلاة موسى ﵊ في قبره، ومن صفة حج الأنبياء بعد وفاتهم مع أنهم ليسوا في دار عمل.
قال القاضي عياض: للمشايخ عن هذا أجوبة، ثم ذكر أن منها أنهم كانوا قد توفوا، فهم في مدة الدنيا التي هي دار عمل حتى إذا فنيت مدتها، وتعقبتها الآخرة، التي هي دار الجزاء انقطع العمل، وأوضح ذلك السبكي، فقال: الجواب عن ذلك أحد الجوابين، ثم ذكر أنَّ ما حاصلة أن البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا في الاستكثار من الأعمال وزيادة الأجور، وهو جواب المتقدم نقله عن القاضي عياض. وقد نقلنا جوابه الثاني وبقية كلام العلماء في ذلك في كتاب الوفاء بما يجب بحضرة المصطفى (ﷺ).
الثالث: ما ذكره في حديث موت أحد الأولاد رجوعه إلى التكفير الخ. منظور فيه بحديث: ما من
[ ١٩١ ]
مسلمين يقدمان ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخلهما الله تعالى الجنة بفضل رحمته إياهم. . . الحديث، الحديث رواه الحاكم وغيره وصححه، وظاهره أنَّ البالغ ليس كذلك، وأنَّ الأمر فيه كسائر المصائب.
الرابع: قوله لا يجوز أن يقال للمصاب بمرض أو فقد محبوب أو غير ذلك جعل الله تعالى هذه المصيبة كفارة - الخ - منظور فيه؛ لأن طلب ما تحقق حصوله من العظيم يشمل إظهار الفاقة والافتقار إليه، وهنا ما فهمه العارفون من أمر الله تعالى الطلب منه، ولهذا قال سيدي تاج العارفين ابن عطاء الله: لا يكُن طلبك تسببًا إلى العطاء منه، فيقل فهمك عنه، وليكن طلبك لإظهار عبوديته، وقيامًا بحقوق العبودية، كيف يكون طلبك اللاحق سببًا في عطائك السابق. أ. هـ. وقال أبو نصر السراج: سألت بعض المشايخ عن الدعاء ما وجهه لأهل التسليم، فقال تدعو ائتمارًا بأوامر الله تعالى، وتنزيها للجوارح الظاهرة بخدمته؛ لأنه ضرب من الخدمة. أ. هـ. ولهذا كان أشرف الخلائق وأعظمهم أدبًا مع ربه تعالى المصوم
المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، يسأل الله تعالى مع ذلك المغفرة والرضوان، ويستعيذه من النار.
فإن قيل ذلك من أجل التشريع. قلنا: فيكون تشريعًا لذلك، ولو بالصفة الواقعة منه «ﷺ»، وهي سبق المغفرة، وقدمنا أن النووي في شرح مسلم قال: قوله (ﷺ): اغفر لي ذنبي كله من باب العبودية والإذعان والافتقار إلى الله تعالى. وقد روى الحاكم وصححه: أن النبي (ﷺ) حين قدم المدينة، سأل عن البراء بن معرور (ﷺ) فقالوا: توفي قي صفر، وأوصى بثلثه إليك يا رسول الله، وأوصى أن يوجه للقبلة لما احتضر، فقال رسول الله (ﷺ): أصاب الفطرة، وقد رددت ثلث ماله على أولاده، ثم ذهب فصلى عليه، وقال اللهم اغفر له وارحمه وأدخله جنتك، فقوله: وقد فعلت، يفهم أنه قد طلب ذلك منه وقد فعله. وقد روى الطبراني بإسناد رواته يحتج بهم في الصحيح كما ذكره الحافظ عبد العظيم المنذري في ترغيبه عن سلمى أم رافع مولى رسول الله (ﷺ) أنها قالت: أخبرني بكلمات، ولا تكثر علي، فقال: قولي الله أكبر عشر مرات، يقول الله هذا لي، وقولي سبحان الله عشر مرات، يقول الله هذا لي، وقولي اللهم اغفر لي، يقول الله قد فعلت. فقد اشتمل هذا الحديث على سؤال المغفرة بعد الإعلام بوجودها مكررًا، وقد أورد القرافي على نفسه أمرًا بالدعاء بالنبي (ﷺ) فقد اشتمل هذا الحديث على سؤال المغفرة بعد الإعلام بوجودها مكررًا، وقد أورد القرافي على نفسه أمرًا بالدعاء بالنبي (ﷺ) بالوسيلة والفضيلة والمقام المحمود مع اختباره (ﷺ) أنه أعطيها، ثم أجاب بأنَّ العلماء ذكروا أنه (ﷺ) أعطي هذه الأمور مرتبة على دعائنا، وأنه سبب لها، وأعلم بحصول ذلك السبب، وقال: والمحرم إنما هو الدعاء بما علم حصوله
من غير دعاء. وما نقله عن العلماء، هو قول بعضهم، وقال بعضهم: إنَّ الأمر بذلك إنما هو لإنالتنا الثواب فقط. قال شيخ الإسلام ابن حجر: وقد تعقب ما ذكره القرافي بما ورد من جواز الدعاء بما هو واقع كالصلاة على النبي (ﷺ)، وسؤال الوسيلة، ثم قال: وأجيب عنه بأن الكلام فيما لم يرد فيه شيء، وأما ما ورد فهو مشروع ليثاب من امتثل الأمر فيه على ذلك. أ. هـ.
وقد يُقال ما أورده من الاستدلال من ذلك أن الأمور العقلية، فلو صح لزم أطراده وعدم الاستثناء منه، ومطلق الدعاء مأمور به، يثاب على امتثاله.
[ ١٩٢ ]
فيقاس ذلك على ما أذن فيه، وقد رد السبكي على ابن تيمية؛ لأنه لا يتجرأ على الجناب الرفيع إلا بما أذن فيه، وما لم يأذن إلا الصلاة عليه، وسؤال الوسيلة بأن عمر ﵁ كان يعتمر عن النبي (ﷺ) عمرًا بعد موته من غير وصية، وحكى في الإحياء عن علي بن الموفق في طبقة الجنيد أنه حج عن النبي (ﷺ) حججًا، وعدها القضاعي سبعين حجة، وعن محمد بن إسحاق النيسابوري أنه ختم عن النبي (ﷺ) أكثر من عشرة آلاف ختمة، وضحى عنه مثل ذلك. أ. هـ.
فالظاهر أن مستند هؤلاء إنما هو القياس على ما ورد، وقد تمسك بعض الناس أيضًا بكلام ابن تيمية السابق في أنه لا يجوز أن يقال في حق النبي (ﷺ) زاده الله شرفًا، وقد وقع في كلام النووي، حيث قال: في خطبة كتابته المنهاج وزاده فضلًا وشرفًا لديه، ومواهب الله لا تتناهى فيسأل له ذلك فيقاس على ما أذن له فيه. وفي خطبة الرسالة لإمامنا الشافعي ﵁ ما نصهُّ: محمد عبده ورسوله (ﷺ) ورحم وكرم. وفي. . . حديث لا تنساني يا أخي من دعائك، وقول بعضهم: إنه لا يجوز سؤال الرحمة له (ﷺ) إلا مقرونة بالصلاة والسلام عليه، نسبه القاضي عياض في
الإكمال للجمهور، ويعارضه إقرار النبي (ﷺ) للأعرابي على قوله كما في الصحيحين: اللهم ارحمني ومحمدًا، والله تعالى أعلم.
ويقال في جواب القرافي: تكفير ليس بقطعي، عامًا تقدم عن الحنفية وابن عطية، فمراد هذا الداعي تحقيق هذا الأمر المضنون، أو يقال: قد قرر القرافي أن المصاب إذا سخط فقد يعود الذي كفر بالمعصية بما أخف من السخط، فمعنى قول الداعي: جعل الله هذه المصيبة كفارة؛ أي محققة لا يقارنها ما يكون سببًا في عود ما ذكر بأن يغفر لك؛ أو كفارة لما يقع منك بعد ذلك؛ لأنّ قدرة الله صالحة لذلك، فيجوز سؤاله إياه، أو يقال المراد من التكفير في قوله كفارة التعظيم والتكثير، فإنَّ المقام يرشد إليه فليس ذلك من الدعاء بتحصيل حاصل على ما قررناه ضعف ما ذكره القرافي في آخر قواعده من أنه لا يجوز أن يقال: اللهم اغفر للمسلمين جميع ذنوبهم؛ لأنهم لابد من دخول طائفة منهم النار، وأما قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن
[ ١٩٣ ]
فِي الْأَرْضِ﴾، وكونه من أدب الداعي أن يقول: اغفر لي ولجميع المسلمين، فليس في ذلك عموم لجميع ذنوبهم. أ. هـ. وقد يقال يحتمل أن تلك الطائفة التي بدا من دخولها النار من قوم سيوجدهم الله تعالى بعد ذلك لا ممن اتصف بالوجود أو من اتصف به حالة الدعاء، والله تعالى أعلم بالصواب.
وأعلم أنه قد ورد في بعض الأحاديث ما يقتضي أن من الأعمال ما يرفع الذنب السابق، ولا يرفع الذنب اللاحق، وهو كثير، ومنها ما يرفع السابق واللاحق جميعًا، قال الزركشي: ويسمى رافعًا وكاشفًا كصوم عرفة، فإنه رافع لذنوب السنة الماضية، ورافع لذنوب السنة المستقبلة، كما ثبت به الحديث الصحيح. ويقع السؤال كثيرًا عن هذا التكفير هل هو في حق من هو عليه ذنب فقط أم يعم؟ وأجبت أن من صامه إما أن يكون عليه ذنوب أو لا؟ وإن كان فإن الصوم يكفر القدر المذكور وإلا فيعطي من الثواب ما يكفر ذلك القدر. ولو كان عليه. أ. هـ.
وقال النووي في شرح مسلم بعد إيراد أحاديث كثيرة بخصال مكفرة، قد يقال إذا كفر الوضوء، فماذا تكفر الصلاة، وإذا كفرت الصلاة فما تكفر الجمعات، وكذلك رمضان، وكذا صوم يوم عاشوراء كفارة سنة وإذا وافق تأمينه نحو تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.
والجواب ما أجاب به العلماء أن كل واحد من هذه المذكورات صالح، فإن وجد ما يكفر به الصغائر كفره وإن لم يصادف صغيرة ولا كبيرة كتب به حسنات ورفع به درجات، وإن صادف كبيرة أو كبائر ولم يصادف صغيرة رجونا أن يخفف الكبائر. أ. هـ. ثم قال الزركشي عقب ما تقدم: وقال الروياني في البحر: ليس لنا عبادة تكفر ما بعدها غير صوم عرفة، وليس كما قال في حديث: الجمعة إلى الجمعة كفارة لما بينهما، وزيادة ثلاثة أيام، وصدقة الفطر طهارة للصائم من لغوه ورفثه الواقع في رمضان كما جاء في الحديث، ويجوز تقديمها من أول رمضان وإن تأخرت كانت واقعة. أ. هـ.
قلت حديث الجمعة إلى الجمعة ليس فيه تصريح بأن ذلك في المستقبل لكن روى ابن ماجه حديث تكفير يوم عاشوراء بلفظ: صيام يوم عاشوراء إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي بعده، وروى البيهقي عن أبي ذر أنه (ﷺ) قال: إنّ صليت الضحى عشرًا لم يكتب لك ذلك اليوم ذنب الحديث. وقال: في إسناده نظر، وفي حديث مسلم: ما من مسلم تحضره الصلاة مكتوبة فيحسن وضوءها وخشوعها وركوعها إلا كانت له كفارة لما قبلها من الذنوب، ما لم تُؤت كبيرة، وفي رواية: إلا غفر له ما بينه وما بين الصلاة. التي قبلها، وروى ابن أبي الدنيا في فضائل شهر رمضان عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله (ﷺ):
[ ١٩٤ ]
شهر رمضان يكفر ما بين يديه إلى شهر رمضان المقبل. وقد وردت أحاديث كثيرة بخصال تكفير الذنوب المتقدمة
والمتأخرة من غير تقييد بزمان، وقد جمع ذلك شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في جزء، وسيأتي تلخيصه، وهو أنه ذكر في أوله مقدمة في جواز وقوع ذلك فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، وفي رواية الله أطلع فقيل الأمر في قوله اعملوا للتكريم، وأن المراد كل عمل عمله البدري لا يؤاخذ به، وقيل أن أعمالهم تقع مغفورة، كأنها لم تقع، وقيل: حفظوا فلم تقع منهم سيئة. ويضعف الأخير وورد النقل بخلافه، فقد شهد مسطح بدرًا وقد وقع منه في حق عائشة ﵂ كما في الصحيح، وقصة نعمان أيضًا مشهورة، والمراد من عدم المؤاخذة على الأول عدمها في أحكام الآخرة، أما في الدنيا فتترتب عليهم أحكامًا إجماعًا، ولهذا أقيم الحد على مسطح ﵁ وغيره. ويستفاد من هذه المقدمة الرد على ما نقله الأسنوي في خطبة رسالة الشافعي، لأبي الوليد النيسابوري أحد أصحاب ابن ريج أنه نقل عن الأصحاب: اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت من الذنوب، والاستغفار قبل الذنب محال. أ. هـ.
قال الأسنوي عقبه: ولقائل أن يقول: المحال هو طلب المغفرة للذنب قبل وقوعه أن يغفر إذا وقع، فلا استحالة فيه. أ. هـ. والله أعلم. ثم قال الحافظ ابن حجر: يدخل في هذا المعنى صوم يوم عرفة وإنه يكفر ذنوب سنتين الماضية والمستقبلة، فهو دال على وجود التكفي قبل وقوع الذنب، ومن ذلك دعاؤه (ﷺ) لبعض الصحابة بأن يغفر الله تعالى ما تقدم من ذنبه وما تأخر، كما ورد في حق عثمان بن عفان، وعائشة ﵂، فدعاء المعصوم بذلك لبعض أمته دال على جواز وقوع ذلك، وسيأتي في حديث العباس بن مرداس أنه قال (ﷺ): طلب ذلك في موقف عرفة، فأجيب إلى ذلك، واستثنى التبعات، ثم أجيت مطلقًا صبيحة المزدلفة. قلت: هذا الكلام يقتضي أنه أورد بعد ذلك حديث العباس بن مرداس، ولم أره في كتابه، غير أنه قال في آخر ترجمة
الحج، عقب حديث العباس بن مرداس في دعاء النبي (ﷺ) بعرفة ثم بمزدلفة؛ فإنه يدخل في ما نحن فيه. أ. هـ. وسنورده معنا إن شاء الله تعالى. ثم قال الحافظ ابن حجر: وأعلم أن الله تعالى مالك كل شيء، له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى، ولم يمتنع أن يعطي من شاء ما يشاء، وقد ثبت أن ليلة القدر خير من ألف شهر، وقد يقع عمل العبد في بعض ليالي السنة لبعض الناس أكثر مما يعمل فيها، مع ذلك فالعمل فيها أفضل من غيرها بثلاثين ألف ضعف، ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
[ ١٩٥ ]