بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي قدم الإنذار على التعذيب، وعلم أطباء العلم كيفية الرياضة والتهذيب، وصلى الله على أشرف سائس، وأعلم طبيب محمد المبعوث إلى البعيد والقريب، وعلى أصحابه وأتباعه.
أما بعد.. فإني رأيت القصاص قد تركوا ما يصلح ذكره في المجالس من التخويف والترهيب، وأخذوا في زخارف باطلة فإن ذكروا حديثًا فالغالب أنه كذب فإن كان صحيحًا فالغالب أنهم يزيدون فيه ما ليس منه، وهمهم برونق المجلس كيف اتفق، فيخرج السامعون وما نهوا عن ذنب، ولا خشع لهم قلب، فإن أفلح القاص قال لهم: رحمة الله واسعة، ولا يذكر أنه شديد العقاب.
ومعلوم أن الواعظ طبيب لأمراض الذنوب، ومصلح لأمزجة القلوب، فإذا رأى يائسًا مناه، أو آمنًا خوفه، فهو يقاوم الأمراض بأضدادها، وإني رأيت الأمن وقلة الخوف ومساكنة الطمع أمراضًا، قد استولت على النفوس فعلمت أنه ما ركب من الأدوية التخويف، لأنه إذا حدث الساكن بما يوجب السكون كان كمبرود أعطى برودة، فجمعت في هذا الكتاب من الأحاديث المخوفات، والمحذرات من السيئات، والواصفات للعقوبات، والحكايات المزعجات ما يقلق المطمئن، ويقلقل الساكن، ويلين القلب القاسي، ويجري الدمع الجامد وينهض المتكاسل المتقاعد.. والله الموفق.
[ ١ / ٢٨ ]
واعلم أن جمهور العصاة اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، ونسوا أنه شديد العقاب، وظنوا
أن رحمة الله من جنس الرقة فقاسوها برحمة الخلق، والآدمي إذا رأى عدوه يعذب رق له، ورحمة الله ليست من هذا الجنس.
وأما من طلب العفو مع الإصرار فهو كالمعاند المتهاون بالوعيد.
قال معروف الكرخي: (رجاؤك لرحمة من لا تطيعه خذلان وحمق) .
وقد قال بعض الحكماء: من قطع أشرف عضو منك في الدنيا بسرقة خمسة قراريط، فلا يأمن أن يكون عقابه في الآخرة على نحو هذا.
ومن عرف أن الخليل يسأل يوم القيامة في أبيه فلا يجاب، وأن رسول الله ﷺ سأل في أمه فلم يقبل، فينبغي أن يكون على قلق، وإلى هذا المعنى أشار الحسن بقوله لما قيل له: نراك طويل البكاء؟ فقال: «أخاف أن يطرحني في النار، ولا يبالي» .
وقد يعاقب الإنسان على المحتقر فلهذا لزم تقديم التخويف.
١- أخبرنا أبو محمد عبد الله بن علي المقري قال: أخبرنا طراد بن محمد الزينبي قال: أخبرنا علي بن محمد بن بشران قال: أخبرنا الحسين بن صفوان قال: ثنا أبو بكر عبد الله بن محمد القرشي قال: حدثني أحمد بن إبراهيم عن علي بن شقيق عن ابن المبارك عن سعيد بن زيد قال: سمعت معلى بن زياد يقول: سأل المغيرة بن مخادش الحسن فقال:
⦗٣٠⦘
«يا أبا سعيد كيف نصنع بمجالسة أقوام يحدثونا حتى تكاد قلوبنا تطير؟ فقال: أيها الشيخ، والله لأن تصحب أقوامًا يخوفونك حتى تدرك أمنًا خيرًا لك من أن تصحب أقوامًا يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف» .
[ ١ / ٢٩ ]
٢- أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين قال: أخبرنا الحسين بن علي التميمي قال: أنبأ أبو بكر أحمد بن جعفر قال: ثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي قال: ثنا يعلى بن عبيد قال: ثنا الأعمش عن أبي وائل عن أسامة بن زيد قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان، ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف، ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه» . أخرجاه.
[ ١ / ٣٠ ]
٣- قال أحمد: وحدثنا أبو معاوية قال: ثنا أبو إسحاق الفزاري عن ابن جريج قال: حدثني منبوذ عن الفضل بن عبيد الله عن أبي رافع قال: مر رسول الله ﷺ بالبقيع فقال:
«أف لك، أف لك» فظننت أنه يريدني فقال: «لا ولكن هذا قبر فلان بعثته ساعيًا على آل فلان فغل ثمرةً، فدرع الآن مثلها من نار» .
[ ١ / ٣١ ]
٤- قال أحمد: وثنا سفيان قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر سمع أنسًا يحدث عن النبي ﷺ أنه قال:
⦗٣٢⦘
«يتبع الميت ثلاث: أهله، وماله، وعمله، فيرجع اثنان، ويبقى واحد، يرجع أهله وماله، ويبقى عمله» .
[ ١ / ٣١ ]
٥- قال أحمد: وثنا أبو معاوية قال: ثنا الأعمش عن أبي سفيان عن أنس قال: كان النبي ﷺ يكثر أن يقول: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» . قال: فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك، وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ فقال: «نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله تعالى يقلبها» .
[ ١ / ٣٢ ]
٦- قال أحمد: وثنا وكيع قال: ثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:
«مررت ليلة أسرى بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: ما هؤلاء؟ قالوا: خطباء من أهل الدنيا كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون» .
[ ١ / ٣٣ ]
٧- قال أحمد: وثنا أبو المغيرة قال: حدثنا صفوان قال: حدثني راشد بن سعد وعبد الرحمن بن جبير عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «لما عرج بي ربي ﷿ مررت بقوم لهم أظافر من نحاس يخمشون وجوههم، وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم» .
[ ١ / ٣٤ ]
٨- قال أحمد: حدثنا أبو اليمان قال: ثنا ابن عياش عن عمارة بن غزية أنه سمع حميد بن عبيد يقول: سمعت ثابتًا البناني يحدث عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال لجبريل: «ما لي لم أر ميكائيل ضاحكًا قط؟ قال: ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار» .
[ ١ / ٣٤ ]
٩- قال أحمد: وحدثنا يزيد بن هارون قال: أخبرنا حماد بن سلمة عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ:
«يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار، فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم هل رأيت خيرًا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب؟ ويؤتى بأشد الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا بن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا رب، ما مر بي بؤس قط، ولا رأيت شدة قط» .
(انفرد بإخراجه مسلم)
[ ١ / ٣٥ ]
١٠- قال أحمد: وحدثنا أبو معاوية قال: حدثنا الأعمش عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء بن عازب قال:
خرجنا مع النبي ﷺ في جنازة رجل من الأنصار فانتهينا إلى القبر ولما يلحد، فجلس رسول الله ﷺ، وجلسنا حوله كأن على رؤوسنا الطير، وفي يده عود ينكت به في الأرض فرفع رأسه فقال: «استعيذوا بالله من عذاب القبر» مرتين أو ثلاثًا ثم قال:
⦗٣٦⦘
«إن العبد المؤمن إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل إليه ملائكة من السماء بيض الوجوه، كأن وجوههم الشمس، معهم كفن من أكفان الجنة، وحنوط من حنوط الجنة، حتى يجلسوا منه مد البصر، ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس المطمئنة اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان، فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من في السقاء، فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين حتى يأخذها فيجعلوها في ذلك الكفن، وفي ذلك الحنوط، ويخرج منها كأطيب نفحة مسك، وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الطيب؟ فيقولون: فلان بن فلان بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهوا به إلى السماء الدنيا فيستفتحون له فيفتح له، فيشيعه من كل سماء مقربوها إلى التي تليها، حتى ينتهي به إلى السماء السابعة، فيقول الله ﷿: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض، فإني منها خلقتهم، وفيها أعيدهم، ومنها أخرجهم تارة أخرى.
قال: فتعاد روحه فيأتيه ملكان فيجلسانه فيقولون له: من ربك؟ فيقول: ربي الله ﷿. فيقولون له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله ﷺ. فيقولان له: وما علمك؟ فيقول: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. فينادي مناد من السماء: أن صدق عبدي فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له بابًا إلى الجنة. قال: فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره. قال: ويأتيه رجل حسن الوجه، حسن الثياب، طيب الريح، فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول له: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالخير؟ فيقول: أنا عملك الصالح، فيقول: رب أقم الساعة رب أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي
قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا، وإقبال من الآخرة نزل ⦗٣٧⦘ إليه من السماء ملائكة سود الوجوه، معهم المسوح فيجلسون منه مد البصر ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه، فيقول: أيتها النفس الخبيثة اخرجي إلى سخط من الله وغضب. قال: فتفرق في جسده فينتزعها كما ينزع السفود من الصوف المبلول فيأخذها فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين، حتى يجعلوها في تلك المسوح، ويخرج منها كأنتن ريح جيفة وجدت على وجه الأرض، فيصعدون بها، ولا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث، فيقولون: فلان بن فلان بأقبح أسمائه التي كان يسمى بها في الدنيا، حتى ينتهي به إلى السماء الدنيا فيستفتح له فلا يفتح له، ثم قرأ رسول الله ﷺ: ﴿لا تفتح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط﴾ فيقول الله ﷿: اكتبوا كتابه في سجين من الأرض السفلى. فتطرح روحه طرحًا ثم قرأ: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوى به الريح في مكان سحيق﴾
فتعاد روحه في جسده، ويأتيه ملكان فيجلسانه فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هاه هاه لا أدري. فينادي مناد من السماء: أن كذب فأفرشوه من النار، وافتحوا له بابًا إلى النار، فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى تختلف فيه أضلاعه، ويأتيه رجل قبيح الوجه، قبيح الثياب، منتن الرائحة، فيقول: أبشر بالذي يسؤك، هذا يومك الذي كنت توعد. فيقول: من أنت فوجهك الوجه يجيء بالشر؟ فيقول: أنا عملك الخبيث فيقول: رب لا تقم الساعة» .
[ ١ / ٣٥ ]
١١- قال أحمد: وثنا عبد الرزاق قال: ثنا معمر عن يونس بن خباب عن المنهال بن عمرو عن زاذان عن البراء: قال: خرجنا مع رسول ﷺ إلى جنازة فذكر نحوه وفيه: «ثم يقيض له أعمى أصم أبكم في يده مرزبة لو ضرب بها جبل كان ترابًا، فيضربه ضربة فيصير ترابًا، ثم يعيده الله ﷿ كما كان فيضربه ضربة أخرى، فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الثقلين» . قال البراء: ثم يفتح له باب من النار، ويمهد له من فرش النار.
[ ١ / ٣٨ ]
١٢- قال أحمد: وحدثنا أبو عبد الرحمن المقرئ قال: حدثنا عبد الله بن واقد قال: حدثنا محمد بن مالك عن البراء بن عازب قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ إذ بصر بجماعة، فقال:
«على ما اجتمع هؤلاء؟» قيل: على قبر يحفرونه، ففزع رسول الله ﷺ فبدر بين يدي أصحابه مسرعًا حتى انتهى إلى القبر فجثا عليه، قال: فاستقبلته من بين يديه لأنظر ما يصنع، فبكى حتى بل الثرى من دموعه ثم أقبل علينا فقال: «أي إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا» .
[ ١ / ٣٨ ]
١٣- قال أحمد: وحدثنا أبو نعيم قال: ثنا بشير بن المهاجر قال: حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه قال:
خرج إلينا رسول الله ﷺ يومًا فنادى ثلاث مرات: «يا أيها الناس، تدرون ما مثلي ومثلكم؟» فقالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «إنما مثلي ومثلكم مثل قوم خافوا عدوًا يأتيهم فبعثوا رجلًا يترائا لهم فأبصر العدو» .
[ ١ / ٣٩ ]