عن عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، عن أبيه قال: دخلت على أبي وهو مريض أتخايل فيه الموت، فقلت: يا أبتاه! أوصني، واجتهد لي.
فقال: «أجلسوني»، ثم قال:
«يا بني! إنك لن تطعم طعم الإيمان، ولن تبلغ حقيقة العلم بالله (﵎) حتى تؤمن بالقدر خيره وشره».
قال: قلت: يا أبتاه! فكيف لي أن أعلم ما خير القدر، وما شره؟
قال: «تعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك.
يا بني! إني سمعت رسولَ اللهِ (ﷺ) يقول:
[ ٣٤ ]
«إن أول ما خلق الله (﵎) القلم، ثم قال: اكتب، فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة.
يا بني! إن مت ولست على ذلك دخلت النار» ["المسند" للإمام أحمد (٥/ ٣١٧)، وانظر "سنن أبي داود" (كتاب السنة- باب في القدر- حديث رَقْم (٤٧٠٠)، و"جامع الترمذي" (كتاب تفسير القرآن-باب: ومن سورة ن - حديث رقم (٣٣١٩)، و"الشريعة" للإمام الآجُرِّي (باب الإيمان بما جرى به القلم مما يكون أبدًا- حديث رقم (٣٨٤)، و"السنة" لابن أبي عاصم (باب ذكر القلم أنه أول ما خلق الله تعالى وما جرى به القلم - أحاديث (١٠٢، ١٠٣، ١٠٤، ١٠٥، ١٠٧، ١١١)، و"الحلية" لأبي نعيم - ترجمة إبراهيم بن أبي عبلة].
ولما حضرت عبادة الوفاةُ، قال:
«أخرجوا فراشي إلى الصحن»، يعني: الدار،
ثم قال:
«اجمعوا لي مواليَّ، وخدمي، وجيراني، ومن كان يدخل عليَّ»، فجمعوا له، فقال:
«إن يومي هذا لا أراه إلا آخر يوم يأتي عليَّ من الدنيا، وأول ليلة من الآخرة، وإنه لا أدري لعله قد فرط مني إليكم بيدي أو بلساني شيء، وهو - والذي نفس عبادة بيده - القصاص يوم القيامة، وأحرج على أحد منكم في نفسه شيء من ذلك إلا اقتص مني قبل أن تخرج نفسي».
[ ٣٥ ]
فقالوا: بل كنت والدًا، وكنت مؤدبًا.
فقال: «أغفرتم لي ما كان من ذلك؟»
قالوا: نعم.
فقال: «اللهم اشهد».
ثم قال: «أما الآن فاحفظوا وصيتي:
أُحَرِّج على كل إنسان منكم أن يبكي، فإذا خرجت نفسي فتوضئوا فأحسنوا الوضوء، ثم ليدخل كل إنسان منكم مسجده فيصلي ركعتين، ثم يستغفر لعبادة ولنفسه، فإن الله (تعالى) قال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ [البقرة:٤٥].
ثم أسرعوا بي إلى حفرتي، ولا تتبعوني بنار» ﴿"الزهد" للإمام هناد بن السري﴾.