وسُنَّة الفجر هي أول السُّنَن الراتبة التي يعملها العبد في يومه، وفيها عدة سُنَن، وقبل بيانها لابد من بيان بعض ما يخص السُّنَن الرواتب، والسُّنَّة الراتبة هي: السُّنَّة الدائمة التابعة للفرائض.
اختُلف في عدد السُّنَن الرواتب على قولين:
القول الأول: أنَّ عددها عشر ركعات: ركعتان قبل الفجر،
_________________
(١) الشرح الممتع لشيخنا ابن عثيمين (٢/ ٨٧ - ٨٨).
(٢) رواه أبو داود برقم (٥٢٤)، وحسنه ابن حجر (نتائج الأفكار ١/ ٣٦٧)، والألباني (صحيح الكلم الطيب ص ٧٣).
(٣) رواه النسائي برقم (٩٨٩٥)، وصححه ابن خزيمة (١/ ٢٢١/ ٤٢٥).
(٤) رواه مسلم برقم (٦٥٥).
[ ٥٦ ]
وركعتان قبل الظهر وركعتان بعدها، وركعتان بعد المغرب، وركعتان بعد العشاء، وهذه عشر ركعات متفق عليها بين العلماء كما نقل ذلك ابن هبيرة -﵀- (^١).
واستدلوا: بحديث ابن عمر -﵄- المتفق عليه، قال: «حَفِظْتُ مِنْ النَّبِيِّ -ﷺ- عَشر رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ فِي بَيْتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَكَانَتْ سَاعَةً لَا يُدْخَلُ عَلَى النَّبِيِّ -ﷺ- فِيهَا» (^٢).
والقول الثاني: أنَّ عددها اثنتا عشرة ركعة، وأنَّ قبل صلاة الظهر أربع ركعات لا ركعتين، وهذا القول هو الأظهر-والله أعلم-.
ويدلّ عليه:
أ. حديث عائشة -﵂- عند البخاري: «أَنَّ النَّبِيَّ -ﷺ- كَانَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ» (^٣). وعند مسلم من حديثها قالت: «كَانَ -أي: النَّبي -ﷺ- يُصَلِّي فِي بَيْتِي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا» (^٤).
ب. حديث أُمِّ حَبِيبَةَ -﵂- قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشرةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» (^٥)، وأخرجه الترمذي، وزاد: «أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ» (^٦).
_________________
(١) انظر: الإفصاح (١/ ١٥١).
(٢) رواه البخاري برقم (١١٨٠)، ومسلم برقم (٧٢٩).
(٣) رواه البخاري (١١٨٢).
(٤) رواه البخاري برقم (٧٣٠).
(٥) رواه مسلم برقم (٧٢٨).
(٦) رواه الترمذي برقم (٤١٥). وقال: «حسن صحيح».
[ ٥٧ ]
واختلف أهل العلم في الجمع بين:
حديث ابن عمر -﵄- المتفق، وفيه: «أنَّ النَّبي -ﷺ- صلَّى قبل الظهر ركعتين» (^١)، وبين حديث عائشة -﵂- عند البخاري، وفيه: «أنَّ النَّبي -ﷺ- صلَّى قبل الظهر أربع ركعات» (^٢).
فقيل: إنَّ النَّبي -ﷺ- تارة يُصلِّي قبل الظهر أربعًا، وتارة يُصلِّي قبلها ركعتين.
وقيل: إن مع تعارض الحديثين يؤخذ بالزائد، ويُصلِّي الإنسان أربع ركعات قبل الظهر.
وقيل: إن صلَّى في بيته يصلي أربعًا؛ لحديث عائشة -﵂-، وإن صلَّى في المسجد يُصلِّي ركعتين؛ لحديث ابن عمر -﵄-.
والأظهر -والله أعلم-: أنه يؤخذ بالزائد؛ لاحتمال اطلاع عائشة -﵂- في بيتها على ما لم يطلع عليه ابن عمر -﵄-؛ ولحديث أم حبيبة -﵂- عند مسلم: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشرةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ (وفي رواية: غَيْرَ فَرِيضَةٍ)، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ». والأفضل أن تؤدَّى السُّنَن الرواتب في البيت، ويدلّ عليه:
أ. حديث زيد بن ثابت -﵁- أنَّ النَّبيّ -ﷺ- قال: «فَصَلُّوا أَيُّهَا النَّاسُ فِي بُيُوتِكُمْ، فَإِنَّ أَفْضَلَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إِلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ» (^٣).
ب. عن ابن عمر -﵄- أنَّ النَّبيّ -ﷺ- قال: «اجْعَلُوا مِنْ صَلَاتِكُمْ
_________________
(١) رواه البخاري برقم (١١٨٠)، ومسلم برقم (٧٢٩).
(٢) رواه البخاري برقم (١١٨٢).
(٣) رواه البخاري برقم (٧٢٩٠)، ومسلم برقم (٧٨١).
[ ٥٨ ]
فِي بُيُوتِكُمْ، وَلَا تَتَّخِذُوهَا قُبُورًا» (^١).
ج. عن جابر -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: «إِذَا قَضى أَحَدُكُمُ الصَّلَاةَ فِي مَسْجِدِهِ، فَلْيَجْعَلْ لِبَيْتِهِ نَصيبًا مِنْ صَلَاتِهِ، فَإِنَّ الله جَاعِلٌ فِي بَيْتِهِ مِنْ صَلَاتِهِ خَيْرًا» (^٢).