الحمد لله القائل: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، والحمد لله الذي أرسل لنا خير رسله، وأنزل علينا أفضل كتبه، وهيَّأ للوحيين حملة من الصحابة، ومن تبعهم من السَّلَف الذين حملوهما، وأوصلوهما بأقوالهم، وما سطَّره التاريخ من أفعالهم، فكانوا خير حامل لخير محمول، فجاءت نماذجهم مُشرقة، ومعبرة عن حُبِّهم لنبيهم -ﷺ-.
ثُمَّ الصَّلاة والسَّلام على خير الورى، من بلَغتْ سنتُه الخليقة والأُلى، وخير من صلَّى وصام ودعا، وخير من بيَّن لأمته طريق الهدى، فتركها على محجة بيضاء نجا بها كل من سمع ووعى، صلَّى الله عليه وعلى آله، ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدِّين. ثم أمَّا بعد …
أخي القارئ:
أسْطُر وصفحات، فيها سُنَن وعبادات، سُنَن مأثورة، وعبادات مجهولة ومعلومة، وأخرى مهجورة، إنها مِنَحٌ من الله -جلَّ في علاه- لهذه الأمَّة؛ ليستزيدوا من الطاعات، وهي مِنَحٌ؛ لِمَا فيها من مضاعفة الأجور التي لم تكن للأمم السَّابقة، منحها جلَّ وعلا هذه الأمَّة، واستودع فيها ثمرات عظيمات لمن سارع إليها، فهي مِنَحٌ عالية الفضل،
[ ٩ ]
جليلة القدر، عظيمة الثمرة، اقترح عليَّ كتابتها أحدُ الإخوة الفضلاء -جزاه ربي خير الجزاء- وكان دافعًا لي في تسطيرها سببان رئيسان:
أولهما: ما مجَّ سمع كل مسلم، وأحزن قلب كل موحِّد، وأبكى عين كل مُحِب لخليل الله نبينا -ﷺ- حينما نيل منه، ورُسم عنه من قِبَل مَنْ سخروا منه، واستهزؤوا برسم كاريكاتيرات ساخرة تُسيء له -فداه أبي وأمي- وإلى يومنا هذا ما زلنا نسمع بمثل هذا من بلد وآخر، ولا عجب من ذلك؛ فقد تبع هؤلاء جميعًا كفار قريش، وغيرهم حينما آذوه وسخروا منه، فنال الصحابة -رضوان الله عليهم- ممن نال وآذى رسول الله -ﷺ-، والدفاع عن حقِّ رسول الله -ﷺ- دَيْنٌ على كل الأمَّة حتى يُردَّ حقُّه -ﷺ-.
ومِنْ أهم أنواع الدِّفاع عنه: الدِّفاع عن سنته، وإظهار أخلاقه -ﷺ- التي شوَّهها الغرب، والتعريف بهديه والحث على تطبيقه بنشر الكتب في ذلك، وأولى النَّاس تطبيقًا لهديه -ﷺ-، والمسارعة لسنَّتِه هم أهل دينه، فإنَّ من يردّ عن عِرض النَّبي -ﷺ- بقوله ينبغي أن يكون من أحرص الناس على الامتثال لأوامر النَّبيِّ -ﷺ- وهديه، وتطبيق سُنَنِه بفعله أيضًا، فيحيي سُنَّة النَّبي -ﷺ- في نفسه، وفي مجتمعه، وبين أهله وأولاده، وطلابه، وإخوانه.
والسبب الثاني: هو ما يشهده واقعنا اليوم من التفريط في سُنَّة النَّبي -ﷺ- وامتثالها، بِحُجة أنها مما يُثاب فاعلها ولا يُعاقب تاركها، ولو تتبعت -أخي القارئ- سُنَّة النَّبي -ﷺ- لَمَا وجدت فيها أنَّ الصحابة -في غالب أمرهم- يُفرِّقُون في الأوامر بين الواجبات، والمستحبات من حيث السؤال والتطبيق، بل هم أحرص الناس على الخير، وأشدهم أسفًا لفواته ولو كان نافلة، بينما في واقعنا تجد من يعرف فضائل عديدة، وعظيمة في سُنَن كثيرة عَلِمَها ولم يعمل بها، ولو لمرَّة واحدة، ولربما رأيت من تظهر عليه مظاهر الصَّلاح والاستقامة، وحُبُّ الخير، ويُرى
[ ١٠ ]
مفرِّطًا في كثير من السُّنن بل جُلِّها!! فلا تجد سُنَّة النَّبي -ﷺ- ظاهرة عليه في سَمْتِه، وأخلاقه، وتعامله، وعبادته، بل ربما كان هذا شأن بعض مَنْ طَلَبَ العلم وحَرِصَ عليه، ثم تراه متراجعًا في عمله وحرصه على السُّنَّة، مع معرفته بكثير من المسائل العلميَّة، والسُّنَن النبويَّة، ولئن كان السلف يعرِّفون العلم: بالخشية التي تورث زيادةً في الطاعات، والعبادات، والحرص عليها، فما مدى تأثير عِلْمِنا، ومعرفتنا بالخلاف، وأدلة كثير من المسائل، في تطبيق كثير من السُّنَن، والعبادات؟
قال أحدهم لآخر يستكثر من العلم ولا يعمل: «يا هذا إذا أفنيتَ عمرك في جمع السلاح فمتى تقاتل؟!».
ولقد كان السَّلَف -﵏- يذمُّون من يعلم ولا يعمل، وكذا من يجمع العلم بلا عمل، ولمَّا بكَّر أصحاب الحديث مرَّةً على الأوزاعي التفت إليهم، فقال: «كم من حريصٍ، جامعٍ، جاشعٍ ليس بمنتفعٍ، ولا نافعٍ»، ولمَّا رأى الخطيب البغدادي -﵀- كثرة من يهتم برواية الحديث، وحفظه، مع قِلَّة العمل، ألَّف رسالة قيِّمة، عنوانها: [اقتضاء العلم العمل].
فما تقدَّم هو حال كثير منَّا، ولا أنكر أنَّ هناك نماذج مشرقة في واقعنا، لكن مظاهر التفريط بالسُّنَّة كثيرة، وتأمل -أخي المبارك- ما سيأتي من بعض النَّماذج للرَّعيل الأول -الذين اقتربوا من سُنَّة النَّبيِّ -ﷺ- حِسًَّا وعملًا- ومن تبعهم من السَّلَف -﵏ جميعًا-، وهي كثيرة في هذا الباب، ولكن ذكرت في التمهيد بعضها؛ لعل فيها ما يستنهض هِمَّتي وهِمَّتك؛ لتطبيق السُّنَّة.
[ ١١ ]
أسأل الله - تعالى- بأسمائه الحسنى، وصفاته العُلى، أن يجعلني وإياك مِمن يتبعون السُّنَّة، ويتمسكون بها في أقوالهم، وأفعالهم، وجميع أحوالهم، إنَّه ولي ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
كتبه الفقير إلى عفو ربه:
عبد الله بن حمود الفريح (^١)forih@hotmail.comEmail:
_________________
(١) أقيمت على مادة هذا الكتاب دورات ومسابقات في محاضن تربوية، فمن أراد نماذج أسئلة المادة وإجاباتها فليتواصل مع بريد المؤلف.
[ ١٢ ]