لاتباع السُّنَّة -أخي الحبيب- ثمرات كثيرة، منها:
١) الوصول إلى درجة المحبة، فبالتقرب لله - ﷿ - بالنوافل تنال محبة الله - ﷿- للعبد.
قال ابن القيِّم -﵀-: «ولا يحبك الله إلا إذا اتبعت حبيبه ظاهرًا وباطنًا، وصدَّقته خبرًا، وأطعته أمرًا، وأجبته دعوةً، وآثرته طوعًا، وفنيت عن حكم غيره بحكمه، وعن محبة غيره من الخلق بمحبته، وعن طاعة غيره بطاعته، وإن لم يكن ذلك فلا تتعنَّ، وارجع من حيث شئت، فالتمس نورًا فلست على شيء» (^٢).
٢) نيل معيَّة الله -تعالى- للعبد، فيوفقه الله -تعالى- للخير، فلا يصدر من جوارحه إلا ما يرضي ربه -﷿-؛ لأنه إذا نال المحبة نال المعيَّة.
٣) إجابة الدعاء المتضمِّنة لنيل المحبة، فمن تقرَّب بالنوافل نال المحبة، ومن نال المحبَّة نال إجابة الدعاء.
ويدلّ على هذه الثمرات الثلاث:
حديث أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الَّله -ﷺ-: «إِنَّ اللَّهَ قال: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ، وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ، وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ، فَإِذَا أَحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ، وَبَصرهُ الَّذِي يُبْصر بِهِ، وَيَدَهُ الَّتِي
_________________
(١) اجتماع الجيوش الإسلامية (١/ ٨).
(٢) مدارج السالكين (٣/ ٣٧).
[ ١٧ ]
يَبْطِشُ بِهَا، وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشي بِهَا، وَإِنْ سَأَلَنِي لَأُعْطِيَنَّهُ، وَلَئِنْ اسْتَعَاذَنِي لَأُعِيذَنَّهُ، وَمَا تَرَدَّدْتُ عَنْ شيءٍ أَنَا فَاعِلُهُ تَرَدُّدِي عَنْ نَفْسِ الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَنَا أَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ» (^١).
٤) جبر النَّقص الحاصل في الفرائض، فالنوافل تجبر ما يحصل في الفرائض من خَلَل.
ويدلّ عليه: حديث أبي هريرة -﵁- قال: سمعت رسولَ الله -ﷺ- يقولُ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسر، فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شيءٌ، قَالَ الرَّبُّ ﷿: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ؟ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ الْفَرِيضَةِ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ» (^٢).
٥) حياة القلب كما تقدّم، فالعبد إذا كان محافظًا على السُّنَّة كان لِمَا هو أهم منها أحفظ، فيصعب عليه أن يفرِّط بالواجبات أو يقصر فيها، وينال بذلك فضيلة أخرى، وهي: تعظيم شعائر الله -تعالى-، فيحيا قلبه بطاعة ربه، ومن تهاون بالسُّنَن عوقب بحرمان الفرائض.
٦) البعد والعصمة من الوقوع في البدعة؛ لأنَّ العبد كلما كان متبعًا لِمَا جاء في السُّنَّة كان حريصًا ألَّا يتعبد بشيء إلا وفي السُّنَّة له دليل يُتَّبع، وبهذا ينجو من طريق البدعة.
وللحفاظ على السُّنَّة ثمرات كثيرة، قال ابن تيمية -﵀-: «فكل من
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٦٥٠٢).
(٢) رواه أحمد برقم (٩٤٩٤)، وأبو داود برقم (٨٦٤)، والترمذي برقم (٤١٣)، وصححه الألباني (صحيح الجامع ١/ ٤٠٥).
[ ١٨ ]
اتبع الرسول -ﷺ- فالله كافيه، وهاديه، وناصره، ورازقه» (^١)، وقال تلميذه ابن القيِّم -﵀-: «فمن صحب الكتاب والسُّنة، وتغرَّب عن نفسه وعن الخلق، وهاجر بقلبه إلى الله فهو الصادق المصيب» (^٢).
قبل الشروع في المقصود:
أخي القارئ: وقبل الشروع في المقصود، وعرض ما تيسر لي جمعه من السُّنَنِ اليومية، أفيدك بما يلي:
أولًا: جمعتُ في هذه الورقات كل ما تتبعته من السُّنَنِ اليومية، وقد أُغفل بعض السُّنَنِ عمدًا للخلاف في ثبوتها؛ لضعف دليل، أو لخلاف في فهم الاستدلال على السُّنَّة، وقد حرصتُ على تقييد ما صحّ به الخبر من السُّنَّة النبويَّة على صاحبها أفضل صلاة وأزكى تحيَّة.
ثانيًا: هناك من السُّنَن التي تتبع الأحوال، أو الأماكن، أو الأزمان، تُعدُّ لأشخاص من السُّنَنِ اليومية بخلاف غيرهم، لم أذكرها عمدًا؛ لأن غالب النَّاس لا تتكرر عليهم، فمثلًا: من كان في مكة، أو المدينة فإنه يستطيع كل يوم أن يزور المسجد الحرام، أو النَّبوي، ويصلِّي فيه فينال فضيلة مضاعفة الصَّلاة، وكذا هناك بعض السُّنَن لا تكون إلا للأئمَّة، أو المؤذنين، ونحو ذلك من السُّنَن التي تتعلَّق بأمر معيَّن، ربما لا تتأتَّى لكثير من النَّاس، وهناك سُنَن تختلف باختلاف الحال: كالزيارة الأخوية في الله -تعالى-، وعبادة التفكُّر، والشُّكر، وعيادة المريض، والصلاة على النَّبيِّ -ﷺ-، وزيارة المقابر، وصِلة الرَّحم، وطلب العلم، والصدقة،
_________________
(١) القاعدة الجليلة (١/ ١٦٠).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٤٦٧).
[ ١٩ ]
وسُنَن الاغتسال ونحوها من السنن التي أغفلتها عمدًا؛ لعدم الجزم بأنها سُنَن يومية، مع استطاعة العبد الإتيان بها متى شاء من أيامه، ولكن كما سبق حرصتُ على الذي يتكرر في اليوم والليلة.
ثالثًا: اعلم -أيُّها المفضال- أنَّ اتِّباع هديه -ﷺ- يشمل اتِّباع أخلاقه، وتعامله، وأدبه مع ربه -تعالى-، ومع سنَّته، ومع النَّاس، فلا تغفل -أيها المبارك- عن هذا المطلب المهم، فالأخلاق عماد مهم يحتاجه واقعنا اليوم كثيرًا.
نسأل الله -سبحانه- أن يهدينا لأحسن الأخلاق، ويصرف عنَّا سيئها.
• واعلم أنَّ التقرُّب لله -تعالى- بالفرائض مقدَّم على النوافل وأعظم أجرًا، فالله -﷿- يقول: «وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشيءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ».
رابعًا: إنني أخاطب بهذه السُّنَن نفسي المقصرة؛ لأنفعها بعرض السُّنَن اليومية أمام عينيَّ، والنظر فيما كنت مقصرًا فيه؛ لأحملها على الإصابة من هذه السُّنَن، والمحافظة على هدي النَّبيِّ -ﷺ-، ومن ثَمَّ نفع إخواني، وحثهم على اقتفاء هدي المصطفى -ﷺ-.
فبادر أخي لاغتنام العمر، قبل حلول الأجل، وانقطاع الأمل، بالاستكثار من السنن وصالح العمل؛ لتحمد العاقبة يوم اللقاء، بعظم الجزاء، في دار البقاء؛ لحسن اقتفائك الأثر، باتباع هدي سيد البشر -ﷺ-.
وأخيرًا … أوصيك أخي في تعاملك مع السُّنَن بوصيتين ذكرهما النَّووي -رحمه الله تعالى-:
الأولى: لا تدع سُنَّة من السُّنَن إلا وقد كان لك منها نصيب، ولو لمرة واحدة.
[ ٢٠ ]
قال النَّووي -﵀-: «اعلم أنه ينبغي لمن بلغه شيء من فضائل الأعمال أن يعمل به ولو مرَّة واحدة، ليكون من أهله، ولا ينبغي أن يتركه مطلقًا؛ لحديث: «إِذَا أَمَرْتُكُمْ بَشيءٍ فأْتُوا مِنْهُ ما اسْتَطعْتُمْ (^١)» (^٢).
والثانية: إذا أنعم الله عليك بطاعة، وكنت من أهلها المواظبين عليها، وفاتت عليك يومًا، فحاول أن تأتي بها إن كانت مما تُقضى، فإنَّ العبد إذا اعتاد على التفويت وتساهل فيه ضيع العمل.
يقول النَّووي -﵀- في فائدة قضاء الذِّكر: «ينبغي لمن كان له وظيفة من الذِّكر في وقتٍ من ليلٍ، أو نهار، أو عقب صلاة، أو حالةً من الأحوال ففاتته، أن يتداركها، ويأتي به إذا تمكَّن منها، ولا يهملها فإنه إذا اعتاد الملازمة عليها لم يعرضها للتفويت، وإذا تساهل في قضائها سهل عليه تضييعها في وقتها» (^٣).
أسأل الله أن يجعلني وإياك ممن يتبعون هدي النَّبي -ﷺ- ظاهرًا وباطنًا، ويقتفون أثره ويحشرون في زمرته، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلَّى الله على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٧٢٨٨).
(٢) الأذكار (١/ ١٦).
(٣) الأذكار (١/ ٢٣).
[ ٢١ ]