١. روى مسلم في صحيحه حديث النُّعْمَانِ بْنِ سَالِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ -﵄- قَالَ: حَدَّثَنِي عَنْبَسَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أُمَّ حَبِيبَةَ
_________________
(١) رواه أبو داود برقم (٤٦٠٧)، والترمذي برقم (٢٦٧٦)، وصححه الألباني (صحيح الجامع ١/ ٤٩٩).
[ ١٣ ]
تَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشرةَ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ» (^١). قَالَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللّهِ -ﷺ-، وَقَالَ عَنْبَسَةُ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ أُمِّ حَبِيبَةَ.
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ أَوْسٍ: «مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَنْبَسَةَ».
وَقال النُّعمانُ بْنُ سَالِمٍ: «مَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ».
٢. حديث عَلِي -﵁-: أَنَّ فَاطِمَةَ اشْتَكَتْ مَا تَلْقَى مِنَ الرَّحَى فِي يَدِهَا، وَأَتَى النَّبِيَّ -ﷺ- سَبْيٌ، فَانْطَلَقَتْ فَلَمْ تَجِدْهُ، وَلَقِيَتْ عَائِشَةَ، فَأَخْبَرَتْهَا، فَلَمَّا جَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ-، أَخْبَرَتْهُ عَائِشَةُ بِمَجِيءِ فَاطِمَةَ إِلَيْهَا، فَجَاءَ النَّبِيُّ -ﷺ- إِلَيْنَا، وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا، فَذَهَبْنَا نَقُومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: «عَلَى مَكَانِكُمَا» فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتَّى وَجَدْتُ بَرْدَ قَدَمِهِ عَلَى صَدْرِي، ثُمَّ قَالَ: «أَلَا أُعَلِّمُكُمَا خَيْرًا مِمَّا سَأَلْتُمَا؟ إِذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا، أَنْ تُكبِّرا اللّهَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ، وَتُسبِّحَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدَاهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ» (^٢).
وفي رواية: قَالَ عَلِيٌّ -﵁-: «مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبيِّ -ﷺ-، قِيلَ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ» (^٣).
ومعلومٌ أنَّ ليلة صِفِّين ليلة دارت فيها معركة، كان عليٌّ -﵁- قائدًا فيها، ومع ذلك لم ينشغل عن هذه السُّنَّة.
٣. كان ابن عمر -﵄- يُصلِّي على الجنازة، ثُمَّ ينصرف، ولا يتبعها
_________________
(١) رواه مسلم برقم (١٧٢٧).
(٢) رواه البخاري برقم (٣٧٠٥)، ومسلم برقم (٢٧٢٧).
(٣) رواه البخاري برقم (٥٣٦٢)، ومسلم برقم (٢٧٢٧).
[ ١٤ ]
ظانًَّا أنَّ هذا هو كمال السُّنَّة، ولم يعلم بالفضل الوارد في اتباعها حتى تُدفَن، فلمَّا بلغه حديث أبي هريرة -﵁- ندم على فوات السُّنَّة، وتأمَّل ماذا قال؟!
عن عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أبي وَقَّاصٍ، أَنَّهُ كَانَ قَاعِدًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، إذْ طَلَعَ خَبَّابٌ صَاحِبُ الْمَقْصُورَةِ، فَقَالَ: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ! أَلَا تَسْمَعُ مَا يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ؟ إنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ -ﷺ- يَقُولُ: «مَنْ خَرَجَ مَعَ جِنَازَةٍ مِنْ بَيْتِهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا، ثُمَّ تَبِعَهَا حَتَّى تُدْفَنَ كَانَ لَهُ قِيرَاطَانِ مِنْ أَجْرٍ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ كَانَ لَهُ مِنَ الأجر مِثْلُ أُحُدٍ؟» فَأَرْسَلَ ابْنُ عُمَرَ -﵄- خَبَّابًَّا إلَى عَائِشَةَ يَسْأَلُهَا عَنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ -﵁-، ثُمَّ يَرْجِعُ إلَيْهِ فَيُخْبِرُهُ مَا قَالَتْ: وَأَخَذَ ابْن عُمَرَ -﵄- قَبْضَةً مِنْ حَصْبَاءِ الْمَسْجِدِ يُقَلِّبُهَا فِي يَدِهِ، حَتَّى رَجِعَ إلَيْهِ الرَّسُولُ، فَقَالَ: قَالَتْ عَائِشَةُ: صَدَقَ أَبُو هُرَيْرَةَ -﵁-، فَضربَ ابْنُ عُمَرَ -﵄- بِالْحَصى الَّذِي كَانَ فِي يَدِهِ الأرْضَ، ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ فَرَّطْنَا فِي قَرَارِيطَ كَثِيرَةٍ (^١).
قال النَّووي -﵀-: «وفيه ما كان الصحابة عليه من الرغبة في الطاعات حين يبلغهم، والتأسُّف على ما يفوتهم منها، وإن كانوا لا يعلمون عِظَم موقعه» (^٢).
٤. حديث سَعِيدِ بْنِ جُبَيْر -﵁- أَنَّ قَرِيبًا لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ، قَالَ فَنَهَاهُ، وَقَالَ: إنَّ رَسُولَ اللّهِ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ وَقَالَ:
_________________
(١) رواه البخاري برقم (١٣٢٤)، ومسلم برقم (٩٤٥).
(٢) المنهاج (٧/ ١٥).
[ ١٥ ]
«إنَّهَا لَا تَصيدُ صيدًا وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا، وَلكِنَّهَا تَكْسر السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ»، قَالَ فَعَادَ فَقَالَ: أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللّهِ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا (^١).
والخذف هو: رمي الإنسان بحصاة، أو نواة ونحوهما، يجعلها بين أصبعيه السبابتين، أو الإبهام والسبابة.
والنَّماذج في حفاظهم على السُّنَّة وتعظيمها كثيرة، ولا عجب، فقد كانوا أحرص النَّاس على الخير، وهكذا تأثَّر بهم مَنْ بعدهم من السَّلَف والقرون المفضلة، وأصبح التأريخ يُسَطِّر لنا ممن تبع أولئك الرجال في التمسك بالسُّنَّة نماذج تُشجِّع النفس على الحرص على السُّنَّة واقتفائها.
فهذا الإمام أحمد -﵀- وضع في كتابه المسند فوق أربعين ألف حديث، وعمل بها كلها، فقال: «ما تركت حديثًا إلا عملت به»، ولمَّا قرأ: أنَّ النَّبي -ﷺ- احتجم، وأعطى أبا طيبة الحجَّام دينارًا، قال: «احتجمتُ، وأعطيت الحجَّام دينارًا»، والدينار: أربعة غرامات وربع من الذَّهب، لكن لأجل تطبيق الحديث بذلها الإمام أحمد -رحمه الله تعالى-، والنّماذج في هذا الصَّدد كثيرة.
نسأل الله أن يُحيي سُنَّة نبينا -ﷺ- في قلوبنا؛ لتنال من الفضائل، والمِنَحِ، والقُرْبِ من الله -﷿- ما استودعه في سُنَّة نبيه -ﷺ-، فباتباع السُّنَّة ينال الإنسان شرف المتابعة، ونور القلب وحياته.
قال ابن القيَّم -﵀-: «قال ابن عطاء: من ألزم نفسه آداب السُّنَّة نوَّر الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب في أوامره، وأفعاله، وأخلاقه» (^٢).
وقال أيضًا: «ترى صاحب اتِّباع الأمر والسُّنَّة قد كُسي من الرَوح، والنور وما يتبعهما من الحلاوة، والمهابة، والجلالة، والقبول ما قد
_________________
(١) رواه البخاري برقم (٥٤٧٩)، ومسلم برقم (١٩٥٤).
(٢) مدارج السالكين (٢/ ٦٤٤).
[ ١٦ ]
حُرِمه غيره، كما قال الحسن: إن المؤمن من رُزق حلاوةً ومهابة» (^١).