الحمد لله، الذي يفتتح بحمده كل رسالة ومقالة، والصلاة على محمد المصطفى، صاحب النبوة والرسالة، وعلى آله وأصحابه الهادين من الضلالة.
أما بعد: فقد سألتني أيها الأخ في الدين، أن أبثّ إليك غاية العلوم وأسرارها، وغائلة المذاهب وأغوارها،
[ ١٠١ ]
وأحكي لك ما قاسيته في استخلاص الحق من بين اضطراب الفرق مع تباين المسالك والطرقِ، وما استجرأت عليه من الارتفاع عن حضيض التقليد، إلى يفاعٍ الاستبصار، وما استفدته، أولًا من علم الكلام، وما اجتويته، ثانيًا من طرق أهل التعليم، القاصرين لدرك الحق على تقليد الإمام
[ ١٠٧ ]
وما ازدريته، ثالثًا من طرق التفلسف وما ارتخيته، آخرًا من طريقة التصوف وما انجلى لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل الخلق، من لباب الحق، وما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة وما ردني إلى معاودتي بنيسابور بعد طول المدة، فابتدرت لإجابتك إلى مطلبك، بعد الوقوف على صدق رغبتك، وقلت مستعينًا بالله ومتوكلًا عليه، ومستوفقًا منه، وملتجئًا إليه: اعلموا - أحسن الله تعالى إرشادكم، وألان للحق قيادكم - أن اختلاف الخلق في الأديان والملل، ثم اختلاف الأمة في المذاهب على كثرة بالفرق، وتباين الطرق، بحر عميق غرق فيه الأكثرون، وما نجا منه إلا الأقلون، وكل فريق يزعم أنه الناجي، " وكل حزبٍ بما لديهم فرحون ". وهو الذي وعدنا به سيد المرسلين صلوات الله عليه، وهوا لصادق المصدوق حيث قال: " ستفترق أمتي ثلاثًا وسبعين فرقة، الناجية منها واحدة " فقد كان ما وعد أن يكون
[ ١٠٨ ]
ولم أزل في عنفوان شبابي - منذ راهقت البلوغ، قبل بلوغ العشرين إلى الآن، وقد أناف السن على الخمسين - أقتحم لجة هذا البحر العميق، وأخوض غمرته خوض الجسور، لا خوض الجبان الحذور، وأتوغل في كل مظلمة، وأتهجّم على كل مشكلة، وأتقحم كل ورطة، وأتفحص عن عقيدة كل فرقة، وأستكشف أسرار مذهب كل طائفة، لأميز بين محق ومبطل، ومتسنن ومبتدع، لا أغادر باطنيًا إلا وأحب أن أطلع على باطنيته، ولا ظاهريًا إلا وأريد أن أعلم حاصل ظاهريته، ولا فلسفيًا إلا وأقصد الوقوف على كنه فلسفته،
[ ١٠٩ ]
ولا متكلمًا إلا وأجتهد في الإطلاع على غاية كلامه ومجادلته ولا صوفيًا إلا وأحرص على العثور على سر صفوته، ولا متعبدًا إلا وأترصد ما يرجع إليه حاصل عبادته، ولا زنديقًا معطلًا إلا وأتحسس وراءه للتنبه لأسباب جرأته في تعطيله وزندقته.
وقد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي وديني، من أول أمري، وريعان عمري، غريزة وفطرة من الله وضعها في جبلتي لا باختياري وحيلتي، وحتى انحلت عني رابطة التقليد، وانكسرت علي العقائد الموروثة على قرب عهد سن الصبا، إذ رأيت: صبيان النصارى لا يكون لهم نشوء إلا على التنصُر، وصبيان اليهود لا نشوء لهم إلا على التهود، وصبيان المسلمين لا نشوء لهم إلا على الإسلام. وسمعت الحديث المروي عن رسول الله ﷺ حيث قال: " كل مولودٍ يولدُ على الفطرةِ فأبواهُ يُهودانهِ، وينُصرانهِ، ويُمجِّسَانِهِ " فتحرك باطني إلى طلب حقيقة الفطرة الأصلية، وحقيقة العقائد العارضة بتقليد الوالدين والأستاذين، والتمييز بين هذه التقليدات، وأوائلها
[ ١١٠ ]
تلقينات، وفي تمييز الحق منها عن الباطل اختلافات فقلت في نفسي: أولًا إنما مطلوبي العلم بحقائق الأمور، فلا بد من طلب حقيقة العلم ما هي؟ فظهر لي: أن العلم اليقيني هو الذي ينكشف فيه المعلوم انكشافًا لا يبقى معه ريب، ولا يفارقه إمكان الغلط والوهم، ولا يتسع القلب لتقدير ذلك، بل الأمان من الخطأ ينبغي أنا يكون مقارنًا لليقين، مقارنة لو تحدى بإظهار بطلانه - مثلًا - من يقلب الحجر ذهبًا والعصا ثعبانًا، لم يروث ذلك شكًا وإنكارًا، فإني إذا علمت: أن العشرة أكثر من الثلاثة، فلو قال لي قائل: لا بل الثلاثة أكثر، بدليل أني أقلب هذه العصا ثعبانًا، وقلبها، وشاهدت ذلك منه، لم أشك بسببه في معرفتي، ولم يحصل لي منه إلا التعجب من كيفية قدرته عليه! فأما الشك بسببه فيما علمته فلا ثم علمت أن كل ما لا أعلمه على هذا الوجه ولا أتيقنه هذا النوع من اليقين، فهو علم لا ثقة به ولا أمان معه، وكل علم لا أمان معه فليس بعلم يقيني.
[ ١١١ ]