اعلم: أن جوهر الإنسان في أصل الفطرة، خلق خاليًا ساذجًا لا خير معه من عوالم الله تعالى، والعوالم كثيرة لا يحصيها إلا الله تعالى، كما قال: " وما يعلم جنودُ ربك إلا هو " وإنما خبره من العوالم بواسطة الإدراك وكل إدراك من الإدراكات خلق ليطلع الإنسان به على عالم من الموجودات، ونعني بالعوالم، أجناس الموجودات.
فأول ما يخلق في الإنسان حاسة اللمس، فيدرك بها أجناسًا من الموجودات: كالحرارة، والبرودة، والرطوبة، واليبوسة، واللين، والخشونة، وغيرها. واللمس قاصر عن الألوان والأصوات قطعًا، بل هلي كالمعدوم في حس اللمس.
ثم تخلق له حاسة البصر، فيدرك بها الألوان والأشكال، وهو أوسع عالم المحسوسات. ثم ينفتح له السمع، فيسمع الأصوات والنغمات، ثم يخلق له الذوق.
[ ١٨١ ]
وكذلك إلى أن يجاوز عالم المحسوسات، فيخلق فيه التمييز، وهو قريب من سبع سنين، وهو طور آخر من أطور وجوده. فيدرك فيه أمورًا زائدة على عالم المحسوسات، ولا يوجد منها شيء في عالم الحس.
ثم يترقى إلى طول آخر، فيخلق له العقل، فيدرك الواجبات والجائزات والمستحيلات، وأمورًا لا توجد في الأطوار التي قبله. ووراء العقل طور آخر تفتح فيه عين أخرى يبصر بها الغيب وما سيكون في المستقبل، وأمورًا أخر، العقل معزول عنها كعزل قوة التمييز. من إدراك المعقولات، وكعزل قوة الحس عن مدركات التمييز، وكما أن المميز لو عرضت عليه مدركات العقل لأباها واستبعدها، فكذلك بعض العقلاء أبوا مدركات النبوة واستبعدوها، وذلك عين الجهل: إذ لا مستند لهم إلا أنه طور لم يبلغه ولم يوجد في حقه، فيظن أنه غير موجود في نفسه. والأكمه لو لم يعلم بالتواتر والتسامع الألوان والأشكال، وحكي له ذلك ابتداء، لم يفهمها ولم يقربها. وقد قرب الله تعالى على خلقه بأن أعطاهم نموذجًا من خاصية النبوة، وهو النوم، إذ النائم يدرك ما سيكون من الغيب،
[ ١٨٢ ]
إما صريحًا وإما في كسوة مثال يكشف عنه التعبير. وهذا لو لم يجربه الإنسان من نفسه - وقيل له: إن من الناس من يسقط مغشيًا عليه كالميت، ويزول عنه إحساسه وسمعه وبصره فيدرك الغيب - لأنكره، وأقام البرهان على استحالته وقال: القوى الحساسة أسباب الإدراك فمن لا يدرك الأشياء مع وجودها وحضورها، فبأن لا يدرك مع ركودها أولى وأحق. وهذا نوع قياسي يكذبه الوجود والمشاهدة فكما أن العقل طور من أطوار الآدمي، يحصل فيه عين يبصر بها أنواعًا من المعقولات، والحواس معزولة عنها، فالنبوة أيضًا عبارة عن طور يحصل فيه عين لها نور يظهر في نورها الغيب، وأمور لا يدركها العقل.
والشك في النبوة، وإما أن يقع في مكانها، وأو في وجودها ووقوعها، وأو في حصولها لشخص معين.
ودليل إمكانها ووجودها. ودليل وجودها وجود معارف في العالم لا يتصور أن تنال
[ ١٨٣ ]
بالعقل، كعلم الطب والنجوم، فإن من بحث عنها علم بالضرورة أنها لا تدرك إلا بإلهام إلهي، وتوفيق من جهة الله تعالى، ولا سبيل إليها بالتجربة فمن الأحكام النجومية ما لا يقع إلا في كل ألف سنة مرة، فكيف ينال ذلك بالتجربة؟ وكذلك خواص الأدوية فتبين بهذا البر هان، أن في الإمكان وجود طريق لإدراك هذه الأمور التي لا يدركها العقل، وهو المراد بالنبوة، لا أن النبوة عبارة عنها فقط، بل إدراك هذا الجنس الخارج عن مدركات العقل إحدى خواص النبوة، ولها خواص كثيرة سواها. وما ذكرنا فقطرة من بحرها، إنما ذكرناها لأن معك نموذجًا منها، وهو مدركاتك في النوم، ومعك علوم من جنسها في الطب والنجوم، وهي معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولا سبيل إليها للعقلاء ببضاعة العقل أصلًا.
وأما ما عدا هذا من خواص النبوة، فإنما يدرك بالذوق، من سلوك طريق التصوف، لأن هذا إنما فهمته بأنموذج رزقته وهو النوم، ولولاه لما صدقت به. فإن كان للنبي خاصة ليس لك منها أنموذج، ولا تفهمها أصلًا، فكيف تصدق بها؟ وإنما التصديق بعد الفهم. وذلك الأنموذج تحصل في أوائل طريق التصوف، فيحصل به
[ ١٨٤ ]
نوع من الذوق بالقدر الحاصل ونوع من التصديق بما لم يحصل بالقياس إليه فهذه الخاصية الواحدة تكفيك للإيمان بأصل النبوة.
فإن وقع لك الشك في شخص معين، أنه نبي أم لا؟ فلا يحصل اليقين إلا بمعرفة أحواله، إما بالمشاهدة، أو بالتواتر والتسامع، فإنك إذا عرفت الطب والفقه، يمكنك أن تعرف الفقهاء والأطباء بمشاهدة أحوالهم، وسماع أقوالهم، وإن لم تشاهدهم، ولا تعجز أيضًا عن معرفة كون الشافعي ﵀ فقيهًا، وكون جالينوس طبيبًا، معرفة بالحقيقة لا بالتقليد عن الغير. بل بأن تتعلم شيئًا من الفقه والطب وتطالع كتبهما وتصانيفهما، فيحصل لك علم ضروري بحالهما. فكذلك إذا فهمت معنى النبوة فأكثرت النظر في القرآن والأخبار، يصل لك العلم الضروري بكونه ﷺ على أعلى درجات النبوة، وأعضد ذلك بتجربة ما قاله في العبادات وتأثيرها في تصفية القلوب، وكيف صدق ﷺ في قوله: " من عمل بما علم ورثهُ الله علم ما لم يعلم " ويكف صدق في قوله: " من أعان ظالمًا سلطهُ الله عليهِ "
[ ١٨٥ ]
وكيف صدق في قوله: " من اصبح وهُمُومُهُ همٌّ واحدٌ الله تعالى هُمُومَ الدنيا والآخرةِ ".
فإذا جربت ذلك في ألف وألفين وآلاف، حصل لك علم ضروري ولا تتمارى فيه. فمن هذا الطريق اطلب اليقين بالنبوة، ولا من قلب العصا ثعبانًا، وشق القمر، فإذن ذلك إذا نظرت إليه وحده، ولم تنضم إليه القرائن الكثيرة الخارجة عن الحصر، وربما ظننت أنه سحر وتخييل، وأنه من الله تعالى إضلال فإنه " يُضِلُّ من يَشَاءُ ويَهدي من يشاءُ ".
وترد عليك أسئلة المعجزات، فإذا كان مستند إيمانك إلى كلام منظوم في وجه دلالة المعجزة، فينجزم إيمانك بكلام مرتب في وجه الإشكالات والشبهة عليها، فليكن مثل هذه الخوارق إحدى الدلائل والقرائن في جملة نظرك، حتى يحصل لك علم ضروري لا يمكنك ذكر مستنده على التعيين، كالذي يخبرك جماعة بخبر متواتر لا يمكنه أن يذكر أن اليقين مستفاد
[ ١٨٦ ]
من قول واحد معين، بل من حيث لا يدري ولا يخرج من جملة ذلك ولا بتعيين الآحاد. فهذا هو الإيمان القوي العلمي.
وأما الذوق فهو كالمشاهدة والأخذ باليد، ولا يوجد إلا في طريق الصوفية فهذا القدر من حقيقة النبوة، كاف في الغرض الذي أقصده الآن، وسأذكر وجه الحاجة إليه.
[ ١٨٧ ]