ثم فتشت عن علومي، فوجدت نفسي عاطلًا من علم موصوف بهذه الصفة، إلا في الحسيات، والضروريات، فقلت الآن بعد حصول اليأس لا مطمع في اقتباس المشكلات إلا من الجليات وهي الحسيات والضروريات فلا بد من إحكامها أولًا لأتيقن أن ثقتي بالمحسوسات، وأماني من الغلط في الضروريات من جنس أماني الذي كان من قبل في التقليدات، ومن جنس أمان أكثر الخلق في النظريات، أم هو أمان محقق لا غدر فيه، ولا غائلة له.
فأقبلت بجد بليغ، أتأمل المحسوسات والضروريات، وأنظر هل يمكنني أن أشكك نفسي فيها؟ فانتهي بي طول التشكيك إلى أن لم تسمح نفسي بتسليم الأمان في المحسوسات أيضًا، وأخذ يتسع فيها ويقول: من أين الثقة بالحواس؟ وأقواها حاسة البصر وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفًا غير متحرك، وتحكم بنفي الحركة، ثم بالتجربة والمشاهدة - بعد ساعة - تعرف أنه متحرك، وأنه لم يتحرك دفعة واحدة بغتة، بل بالتدريج ذرة، ذرة، حتى لم يكن له حالة وقوف.
[ ١١٢ ]
وتنظر إلى الكوكب، فتراه صغيرًا في مقدار دينار، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار. هذا، وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس، بأحكامه ويكذبه حاكم العقل ويخونه تكذيبًا لا سبيل إلى مدافعته فقلت: قد بطلت الثقة بالمحسوسات أيضًا، فلعله لا ثقة إلا بالعقليات التي هي من الأوليات، كقولنا: العشرة أكثر من الثلاثة والنفي والإثبات لا يجتمعان في الشيء الواحد، والشيء الواحد لا يكون قديمًا، موجودًا معدومًا، واجبًا محالًا.
فقالت الحواس: بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات وقد كنت واثقًا بي، فجاء حاكم العقل فكذبني، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي، فلعل وراء إدراك العقل حاكمًا آخر، إذا تجلى كذب العقل في حكمه، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه، وعدم تجلي ذلك الإدراك لا يدل على استحالة!! فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلًا وأيدت إشكالها بالمنام، وقالت: أما تراك تعتقد في النوم أمورًا، وتتخيل أحوالًا، وتعتقد لها ثباتًا، واستقرارًا، ولا تشكل في تلك الحالة فيها، وثم تستيقظ فتعلم: أنه لم يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل.
[ ١١٣ ]
فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك، بحس أو عقل هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها، لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك، كنسبة يقظتك إلى منامك، وتكون يقظتك نومًا بالإضافة إليها! فإذا وردت تلك الحالة، تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا الحاصل لها.
ولعل تلك الحالة، ما تدعيه الصوفية أنها حالتهم، إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي لهم إذا غاصوا في أنفسهم، وغابوا عن حواسهم أحوالًا لا توافق هذه المعقولات، ولعل تلك الحالة هي الموت، إذ قال رسول الله ﷺ: " الناسُ نيامٌ فإذا ماتوا انتبهُوا ". فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة، فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن ويقال له عند ذلك: " فكشفنا عنكَ غطاءكَ فبصرُكَ اليومَ حديدٌ ".
فلما خطر لي هذه الخواطر، وانقدحت في النفس حاولت لذلك علاجًا فلم يتيسر، إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية. فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن تركيب الدليل.
[ ١١٤ ]
فأعضل الداء، ودام قريبًا من شهرين، أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال، لا بحكم النطق والمقال. حتى شفى الله تعالى من ذلك المرض، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال، ورجعت الضروريات العقلية مقبولة موثوقًا بها على أمن ويقين، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام، بل بنور قذفه الله تعالى في الصدر وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة الله تعالى الواسعة.
ولما سئل رسول الله ﷺ، على " الشرح " ومعناه في قوله تعالى: " فمن يرد الله أن يهديهُ يشرح صدرهُ للإسلام " قال: " هو نور يقذفهُ الله تعالى في القلبِ ".
فقيل: وما علامته؟ قال: " التجافي عن دار الغُرُورِ، والإنابة إلى دارِ الخُلُود ".
وهو الذي قال ﷺ فيه:
" إن الله تعالى خلق الخلقَ في ظُلْمةٍ، ثم رشَّ عليهمْ من نُورهِ " فمن ذلك النور ينبغي أن يطلب الكشف،
[ ١١٥ ]
وذلك النور ينبجس من الجود الإلهي في بعض الأحاديين، ويجب الترصد له كما قال ﷺ: " إن لربكم في أيامِ دهركم نفحاتٌ، ألا فتعرضُوا لها " والمقصود من هذه الحكايات أن يعمل كمال الجد في الطلب، حتى ينتهي إلى طلب ما لا يطلب. فإن الأوليات ليست مطلوبة، فإنها حاضرة، والحاضر إذا طلب نفر واختفى، ومن طلب ما لا يطلب فلا يتهم بالتقصير في طلب ما يطلب.
[ ١١٦ ]
أصناف الطالبين ولما شفاني الله من هذا المرض بفضله وسعة جوده، أحضرت أصناف الطالبين عندي في أربع فرق: ١ - المتكلمون: وهم يدعون أنهم أهل الرأي والنظر.
٢ - الباطنية: وهم يزعمون أنهم أصحاب التعليم، والمخصوصون بالاقتباس من الإمام المعصوم.
٣ - الفلاسفة: وهم يزعمون أنهم أهل المنطق والبرهان.
٤ - الصوفية: وهم يدعون أنهم خواص الحضرة، وأهل المشاهدة والمكاشفة فقلت في نفسي: الحق لا يعدو هذه الأصناف الأربعة، فهؤلاء هم السالكون سبل طلب الحق، فإن شذَّ الحق عنهم، فلا يبقى في درك الحق مطمع، إذ لا مطمع في الرجوع إلى التقليد بعد مفارقته، إذ من شرط بالمقلد أن لا يعلم أنه مقلد، فإذا علم ذلك انكسرت زجاجة تقليده، وهو شعب لا يرأب وشعث لا يلم بالتلفيق والتأليف، إلا أن يذاب بالنار، ويستأنف له صنعة أخرى مستجدة.
[ ١١٧ ]