ثم إني لما فرغت من علم الفلسفة وتحصيله وتفهمه وتزييف ما يزيف منه، علمت أن ذلك أيضًا غير واف بكمال الغرض، وأن العقل ليس مستقلًا بالإحاطة بجميع المطالب، ولا كاشفًا للغطاء عن جميع المعضلات، وكان قد نبغت نابغة التعليمية، وشاع بني الخلق تحدثهم بمعرفة معنى الأمور من جهة الإمام المعصوم القائم بالحق، فعنّ لي أن أبحث في مقالاتهم، لأطّلع على ما في كنانتهم. ثم اتفق أن ورد علي أمر جازم من حضرة الخلافة، بتصنيف كتاب يكشف عن حقيقة مذهبهم. فلم يسعني مدافعته، وصار ذلك مستحثًا من خارج، ضميمة للباعث من الباطن، فابتدأت بطلب كتبهم وجمع مقالاتهم. وكذلك قد بلغني بعض كلماتهم المستحدثة التي ولدتها خواطر أهل العصر، لا على المنهاج المعهود من سلفهم. فجمعت تلك الكلمات، ورتبتها ترتيبًا محكمًا مقارنًا للتحقيق، واستوفيت الجواب عنها، حتى أنكر بعض أهل الحق مبالغتي في تقرير حجتهم، فقال: هذا سعي لهم، فإنهم كانوا
[ ١٥٨ ]
يعجزون عن نصرة مذهبهم بمثل هذه الشبهات لولا تحقيقك لها، وترتيبك إياها. وهذا الإنكار من وجه حق، فقد أنكر أحمد بن حنبل على الحارث المحاسبي رحمهما الله تصنيفه في الرد على المعتزلة، فقال الحارث: الرد على البدعة فرض فقال أحمد: نعم، ولكن حكيت شبهتهم أولًا ثم أجبت عنها، فيم تأمن أن
[ ١٥٩ ]
يطالع الشبهة من يعلق ذلك بفهمه، ولا يلتفت إلى الجواب أو ينظر في الجواب ولا يفهم كنه؟
وما ذكره أحمد بن حنبل حق، ولكن في شبهة لم تنتشر ولم تشتهر فأما إذا انتشرت، فالجواب عنها واجب ولا يمكن الجواب عنها إلا بعد الحكاية. نعم، ينبغي أن لا يتكلف لهم شبهة لم يتكلفوها، ولم أتكلف أنا ذلك، بل كنت قد سمعت تلك الشبهة من واحد من أصحابي المختلفين إلي، بعد أن كان قد التحق بهم، وانتحل مذهبهم، وحكى أنهم يضحكون على تصانيف المصنفين في الرد عليهم، بأنهم لم يفهموا بعد حجتهم، ثم ذكر تلك الحجة وحكاها عنهم، فلم أرض لنفسي أن يظن في الغفلة عن اصل حجتهم، فلذلك أوردتها، ولا أن يظن بي أني - وإن سمعتها - لم أفهمها، فلذلك قررتها.
والمقصود، أني قررت شبهتهم إلى أقصى الإمكان ثم أظهرت فسادها بغاية البرهان.
والحاصل: أنه لا حاصل عند هؤلاء ولا طائل لكلامهم، ولولا سوء نصرة الصديق الجاهل، لما انتهت تلك البدعة - مع ضعفها - إلى هذه الدرجة، ولكن شدة التعصب دعت الذابين عن الحق إلى تطويل النزاع معهم في مقدمات كلامهم، وإلى مجاحدتهم في كل ما نطقوا به، فجاحدوهم
[ ١٦٠ ]
في دعواهم: الحاجة إلى التعليم والمعلم، وفي دعواهم أنه: لا يصلح كل معلم، بل لا بد من معلم معصوم وظهرت حجتهم في إظهار الحاجة إلى التعليم والمعلم، وضعف قول المنكرين في مقابلته، فاغتر بذلك جماعة وظنوا أن ذلك من قوة مذهبهم وضعف مذهب المخالفين، ولم يفهموا أن ذلك لضعف ناصر الحق وجعله بطريقه، بل الصواب الاعتراف بالحاجة إلى المعلم، وأنه لا بد وأن يكون المعلم معصومًا، ولكن معلمنا المعصوم هو محمد ﷺ فإذا قالوا: هو ميت فنقول: ومعلمكم غائب فإذا قالوا: معلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد، وهو ينتظر مراجعتهم إن اختلفوا أو أشكل عليهم مشكل فنقول: ومعلمنا قد علم الدعاة وبثهم في البلاد وأكمل التعليم إذ قال الله تعالى: " اليوم أكملتُ لكم دينكم وأتممتُ عليكمْ نعمتي "، وبعد كمال التعليم لا يضر موت المعلم كما لا يضر غيبته.
فبقي قولهم: كيف تحكمون فيما لم تسمعوه؟ أبالنص ولم تسمعوه، أم بالإجتهاد والرأي وهو مظنة الخلاف؟ فنقول: نفعل ما فعله معاذ إذ بعثه رسول الله عليه الصلاة
[ ١٦١ ]
والسلام إلى اليمن. أن نحكم بالنص عند وجود النص، وبالإجتهاد عند عدمه. بل كما يفعله دعاتهم إذا بعدوا عن الإمام إلى أقاصي البلاد إذ لا يمكنه أن يحكم بالنص، فإن النصوص المتناهية لا تستوعب الوقائع الغير المتناهية، ولا يمكنه الرجوع في كل واقعة إلى بلدة الإمام، وأن يقطع المسافة ويرجع فيكون المستفتي قد مات، وفات الانتفاع بالرجوع، فمن أشكلت عليه القبلة ليس له طريق إلا أن يصلي بالاجتهاد، إذ لو سافر إلى بلدة الإمام لمعرفة القبلة، فيفوت وقت الصلاة. فإذن، جازت الصلاة إلى غير القبلة بناء على الظن. ويقال: إن المخطيء في الاجتهاد له أجرٌ واحدٌ وللمُصيبِ أجران فكذلك في جميع المجتهدات،
[ ١٦٢ ]
وكذلك أمر صرف الزكاة إلى الفقير، فربما يظنه فقيرًا باجتهاده وهو غني باطنًا بإخفائه ماله، فلا يكون مؤاخذًا به وإن أخطأ، لأنه لم يؤاخذ إلا بموجب ظنه. فإن قال: ظن مخالفهِ كظنه فأقول: هو مأمور باتباع ظن نفسه، كالمجتهد في القبلة يتبع ظنه وإن خالفه غيره فإن قال: فالمقلد يتبع أبا حنيفة والشافعي رحمهما الله أم غيرهما؟ فأقول: فالمقلد في القبلة عند الاشتباه في معرفة الأفضل الأعلم بدلائل القبلة، فيتبع ذلك الاجتهاد، فكذلك في المذاهب فرد الخلق إلى الاجتهاد - ضرورة - الأنبياءُ والأئمة مع العلم بأنهم قد يخطئون، بل قال رسول الله ﷺ:
" أنا أحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ". أي أنا أحكم بغالب الظن الحاصل من قول الشهود، وربما أخطأوا فيه. ولا سبيل إلى الأمن من الخطأ للأنبياء في مثل هذه المجتهدات فيكف يطمع في ذلك؟.
[ ١٦٣ ]
ولهم ها هنا سؤالان: أحدهما قولهم: هذا وإن صح في المجتهدات فلا يصح في قواعد العقائد، إذ المخطئ فيه غير معذور، فكيف السبيل إليه؟ فأقول: قواعد العقائد يشتمل عليها الكتاب والسنة، وما وراء ذلك من التفصيل، والمتنازع فيه، يعرف الحق فيه بالقسطاس المستقيم. وهي الموازين التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وهي خمسة ذكرتها في كتاب القسطاس المستقيم " فإن قال: خصومك يخالفونك في ذلك الميزان فأقول: ولا يتصور أن يفهم ذلك الميزان ثم يخالف فيه، إذ لا يخالف فيه أهل التعليم، لأني استخرجته من القرآن وتعلمته منه، ولا يخالف فيه أهل المنطق، لأنه موافق لما شرطوه في المنطق وغير مخالف له، ولا يخالف فيه المتكلم لأنه موافق لما يذكره في أدلة النظريات، وبه يعرف الحق في الكلاميات. فإن قال: فإن كان في يدك مثل هذا الميزان فلم لا ترفع الخلاف بين الخلق؟، فأقول: لو أصغوا إلي لرفعت الخلاف بينهم،
[ ١٦٤ ]
وذكرت طريق رفع الخلاف في كتاب القسطاس المستقيم فتأمله لتعلم أنه حق وأنه يرفع الخلاف قطعًا لو أصغوا ولا يصغون إليه بأجمعهم! بل قد أصغى إلي طائفة، فرفعت الخلاف بينهم.
وإمامك يريد رفع الخلاف بينهم مع عدم إصغائهم، فلم لم يرفع إلى الآن؟ ولم لم يرفع علي ﵁ وهو رأس الأئمة؟ أو يدعي أنه يقدر على حمل كافتهم على الإصغاء قهرًا، فلم لم يحملهم إلى الآن؟ ولأي يوم أجله؟ وهل حصل بين الخلق بسبب دعوته إلا زيادة خلاف وزيادة مخالف؟ نعم! كان يخشى من الخلاف نوع الضرر لا ينتهي إلى سفك الدماء، وتخريب البلاد وأيتام الأولاد، وقطع الطرق، والإغارة على الأموال. وقد حدث في العالم من بركات رفعكم الخلاف من الخلاف ما لم يكن بمثله عهد. فإن قال: ادعيت أنك ترفع الخلاف بين الخلق ولكن المتحير بين المذاهب المتعارضة، والاختلافات المتقابلة، لم يلزمه الإصغاء إليك دون خصمك وأكثر الخصوم يخالفونك، ولا فرق بينك وبينهم وهذا هو سؤالهم الثاني، فأقول: وهذا أولًا ينقلب عليك، فإنك إذا دعوت هذا المتحير
[ ١٦٥ ]
إلى نفسك فيقول المتحير: بما صرت أولى من مخالفيك، وأكثر أهل العلم يخالفونك؟ فليت شعري! بماذا تجيب؟ أتجيب بأن تقول: إمامي منصوص عليه، فمن يصدقك في دعوى النص، وهو لم يسمع النص من الرسول؟ وإنما يسمع دعواك مع تطابق أهل العلم على اختراعك وتكذيبك. ثم هب أنه سلم لك النص، فإن كان متحيرًا في أصل النبوة، فقال: هب أن إمامك يدلي بمعجزة عيسى ﵇ فيقول: الدليل على صدقي أني أحيي أباك، فأحياه، فناطقني بأنه محق، فبماذا أعلم صدقه؟ ولم يعلم كافة الخلق صدق عيسى ﵇ بهذه المعجزة، بل عليه من الأسئلة المشكلة ما لا يدفع إلا بدقيق النظر العقلي، والنظر العقلي لا يوثق به عندك، ولا يعرف دلالة المعجزة على الصدق ما لم يعرف السحر والتمييز بينه وبين المعجزة، وما لم يعرف أن الله لا يضل عباده. وسؤال الإضلال وعسر تحرير الجواب عنه مشهور فبماذا تدفع جميع ذلك؟ ولم يكن إمامك أولى بالمتابعة من مخالفه! فيرجع إلى الأدلة النظرية التي ينكرها، وخصمه يدلي بمثل تلك الأدلة وأوضح منها وهذا السؤال قد انقلب عليهم انقلابًا عظيمًا لو اجتمع أولهم وآخرهم على أن يجيبوا عنه جوابًا لم يقدروا عليه. وإنما نشأ الفساد من جماعة من الضعفة ناظروهم، فلم يشتغلوا
[ ١٦٦ ]
بالقلب بل بالجواب. وذلك مما يطول فيه الكلام، وما لا يسبق سريعًا إلى الإفهام، فلا يصلح للإفحام. فإن قال قائل: فهذا هو القلب، فهل عنه جواب؟ فأقول: نعم! جوابه أن المتحير لو قال: أنا متحير ولم يعين المسألة التي هو متحير فيها، يقال له: أنت كمريض، يقول: أنا مريض ولا يعين مرضه ويطلب علاجه فيقال له: ليس في الوجود علاج للمرض المطلق، بل لمرض معين. من صداع أو إسهال أو غيرهما فكذلك المتحير ينبغي أن يعين ما هو متحير فيه، فإن عين المسألة عرفته الحق فيها بالوزن بالموازين الخمسة، التي لا يفهمها أحد إلا ويعترف بأنه الميزان الحق، ويفهم منه أيضًا صحة الوزن، كما يفهم متعلم علم الحساب، نفس الحساب، وكون المحاسب المعلم عالمًا بالحساب وصادقًا فيه. وقد أوضحت ذلك في كتاب القسطاس المستقيم في مقدار عشرين ورقة، فليتأمل.
وليس المقصود الآن بيان فساد مذهبهم، فقد ذكرت ذلك في كتاب المستظهري أولًا، وفي كتاب حجة الحق ثانيًا، وهو جواب كلام لهم عرض علي ببغداد،
[ ١٦٧ ]
وفي كتاب مفصل الخلاف الذي هو اثنا عشر فصلًا ثالثًا، وهو جواب كلام عرض علي بهمدان، وفي كتاب الدرجة المرقوم بالجداول رابعًا، وهو من ركيك كلامهم الذي عرض علي بطوس، وفي كتاب القسطاس المستقيم خامسًا، وهو كتاب مستقل مقصوده أن هؤلاء، ليس معهم شيء من الشفاء المنجي من ظلمات الآراء، بل هم مع عجزهم عن إقامة البرهان على تعيين الإمام، طالما جربناهم فصدقناهم في الحاجة إلى التعليم، وإلى المعلم المعصوم وعرضنا عليهم إشكالات فلم يفهموها، فضلًا عن القيام بحلّها! فلما عجزوا أحالوا على الإمام الغائب، وقالوا: إنه لا بد من السفر إليه والعجب أنهم ضيعوا عمرهم في طلب المعلم وفي التبجح بالظفر به، ولم يتعلموا منه شيئًا أصلًا، كالمتضمخ بالنجاسة، يتعب في طلب الماء حتى إذا وجده لم يستعمله، وبقي متضمخًا بالخبائث. ومنهم من ادعى شيئًا من علمهم، فكان حاصل ما ذكره شيئًا من
[ ١٦٨ ]
ركيك فلسفة فيثاغورس وهو رجل من قدماء الأوائل، ومذهبه أرك مذهب الفلسفة، وقد رد عليه أرسطاطاليس، بل استدرك كلامه واسترذله، وهو المحكي في كتاب إخوان الصفا وهو على التحقيق حشو الفلسفة.
فالعجب ممن يتعب طول العمر في تحصيل العلم ثم يقنع بمثل ذلك العلم الركيك المستغيث، ويظن بأنه ظفر بأقصى مقاصد العلوم! فهؤلاء أيضًا جربناهم وسبرنا ظاهرهم وباطنهم، في رجع حاصلهم إلى استدراج العوام، وضعفاء العقول ببيان الحاجة إلى المعلم، ومجادلتهم في إنكارهم الحاجة إلى التعليم بكلام قوي مفحم، حتى إذا ساعدهم على الحاجة إلى المعلم مساعد وقال: هات علمه وأفدنا من تعليمه! وقف وقال: الآن إذا سلمت لي هذا فاطلبه، فإنما غرضي هذا القدر فقط. إذ علم أنه لو زاد على ذلك لافتضح ولعجز عن حل أدنى الإشكالات، بل عجز عن فهمه، فضلًا عن جوابه. فهذه حقيقة حالهم فأخبرهم تقلهم فلما جربناهم نفضنا اليد عنهم أيضًا.
[ ١٦٩ ]