وأما قوله:) ونهى عن السحر (.
فالسحر هو أمر قد خالطه الشرك، وذلك أن إبليس سأل ربه سلطانا فأعطى، فأخذ على ذلك عهدا من ربه ليكون بذلك مسلطا على أشياء، فاتخذ
[ ٩٨ ]
مجلسًا عند هاروت وماروت، وهيأ جنوده هناك ليعلم السحر؛ فكل من أتاه من الآدميين، فإنما يقصد في الظاهر هاروت وماروت، فإذا أتاه وأشرك أعطاه من ذلك العهد وقيض له عونا شياطينه لا يفارقه، يكون معه حيثما ذهب ينفث ويعقد باسم المسحور، فجعل السحر بذلك المقصود له في ذلك؛ وذلك قوله عزوجل: (وَمِن شَرِ النَفَاثاتِ في العُقَد) .
وإنما ينفث الساحر شيطانه الذى هو فيه، والشيطان خلق من نار، فإذا أشرك وخرج منه التوحيد لزم الشيطان قلبه، فإذا نفث في العقد هيج جميع ما في جسد هذا المسحور، وأخذ أعضاءه بتلك العقد.
وهذا ممن اشترى الحياة الدنيا بالآخرة. وإنما هى داران: دنيا، وآخرة.. مجتاز متزود منها بلغة إلى دار الله في داره؛ فقد نزع أمله، وشخص قلبه إليها، فمنع مناه من هذه إلا ما هيأه الله من رزق، وهو مقتض عليه الشكر، وأعطى في الآخرة مناه وشهواته.
كذلك هذا الساحر لما أشرك، أعطى من الدنيا ما اشتهت نفسه من طريق السحر، على قدر ما أعطى إبليس من السلطان في إدراك الأشياء وتعجلها وتكونها له على مناه؛ استدراجا ومكرا لينتقم منه ومن أتباعه من الشياطين والآدميين يوم القيامة.
وهذا بلوى من الله لعباده؛ فوصف الله تعالى ذلك في تنزيله فقال: (وَما كَفَرَ سُليمانَ وَلَكِن الشَيَاطينَ كَفَرُوا) . وذلك أنه لما مات
[ ٩٩ ]
سليمان ﵇، كفرت طائفة من بنى إسرائيل، فقالوا: ما أطاق سليمان هذا الملك إلا بالسحر الذى وجدنا تحت كرسيه، وقد كان الشيطان كتب أبوابًا من السحر في الوقت الذى حل به ما حل، قال الله تعالى: (وَأَلقَينا عَلَى كُرسِيهِ جَسَدًا ثُمّ أَنابَ)، وهو ذلك الشيطان؛ فبرأه الله تعالى من ذلك القول الذى قالت اليهود في زمن رسول الله ﷺ، فقال: (وَاتَبَعُوا ما تَتلُوا الشَيَاطِينُ عَلَى مُلكِ سُلِيمان)، أى اتبعت اليهود ما كتبه الشياطين في ذلك الوقت من السحر فأكفروه، قال: (وَمَا كَفَرَ سُلِيمانُ وَلَكِنَّ الشَياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِمونَ النَّاسَ السِحرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى المَلَكَينِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمارُوت) . والشياطين يعلمون الناس السحر، والملكان هاروت وماروت يعلمان الأخذة، وهو ما يفرقان بين المرء وزوجه. ثم قال: (وَما يُعلِمانِ مِن أَحَدِ حَتى يَقُولاَ إِنّما نَحنُ فِتنَةٌ فَلاَ تَكفُر فَيَتَعَلَمُونَ مِنهُما ما يُفَرِقُونَ بِهِ بَينَ المَرءِ وَزَوجِهِ) .ثم قال: (وَلَقَد عَلِموا لَمَن اِشتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الأخِرَةِ مِن خَلاق) .لأنه اشترى الشرك؛ فلم يبق له في الآخرة نصيب.
فأعطى هذا شهوته ومناه من الدنيا، التى آثرها، واختارها، وتعجلها. وأعطى الموحد الصابر على توحيده شهوته ومناه من الآخرة التى آثرها.. قال الله عزوجل: (إِنّى جَزَيتُهُمُ اليَومَ بِمَا صَبَرُوا أَنّهُم هُمُ
[ ١٠٠ ]
الفَائِزونَ (؛ صبروا على التوحيد ففازوا بالجنة. وخسئ الآخرون حين قال لهم) اخسَئُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِمونَ (. ثم ذكر الموحدين فقال:) إِنّهُ كَانَ فَريقٌ مِن عِبادى يَقُولُونَ رَبنَا آَمَنّا (، وذكر الآية.
وقد شرحنا صفة السحر وما يعلم الملكان في كتاب " الأولياء " وبدء السحر من أين جاء؟ وكيف كان سببه؟ وروى عن مجاهد أو غيره: أنه كان بين هاروت وماروت وبين الآدميين شيطان يعلم في سنة مسألة تعزيزا له وتعظيما ليكون طريا على قلوب الغواة المفترين.