وأما قوله: (نهى عن الغناء، وعن الإستماع إلى الغناء) .
فالغناء مهيج للنفوس الأمارة بالسوء، الداعية إلى ركون الدنيا وشهواتها، الملهية عن ذكر الله، وعن ذكر ما أعد. فهذه الفنوس أسود رابضة في عرينها، فإذا هيجت الأسود، فعارضها في ذلك الوقت معارض، كان حتفه فيه. ولذلك روى عن فضيل بن عياض ﵀ أنه قال: الغنا رقية الزنا.
حدثنا الجارود، حدثنا الفضل بن موسى، عن داود بن عبد الرحمن المكي، عن خالد بن عبد الرحمن، قال: كنا في عسكر سليمان بن عبد الملك فسمع غناء من الليل، فأرسل إليهم بكرة فجىء بهم، فقال: إن الفرس ليصهل فتسودق له الرمكة، وغن الفحل ليهدر فتضبع له الناقة، وإن التيس ليثب فتستحرم له العنز، وإن الرجل ليتغنى فتشتاق إليه المرأة..اخصوهم. قال عمر بن عبد العزيز: هذا مثلة لا تحل.. فخلى سبيلهم.
قال أبو عبد الله ﵀: فالغناء هو صوت فيه كلام ذو معان، فالصوت مهيج للقلوب خاصة، وما في الصوت من الكلام خاصة مهيج
[ ١٠٧ ]
للنفوس، وما في الكلام من المعاني مهيج للهوى.
وإن كانت هذه المعاني مما تدل على الله، تنعم القلب، وأقبل إلى الله، وانقادت النفس تابعة له، ومال الهوى إليها ومعها.
وإن كانت هذه المعاني مما تدل على هنات النفس، وشأن الدنيا وبالها وأحوالها، تنعمت النفس ولذت، وانقاد القلب أسيرا في يدها، ووجد الهوى والعدو سبيلا إلى صرعته. ولذلك قال رسول الله ﷺ: (تغنوا بالقرآن) وقال: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن) . وقد ذهب بعض العلماء في تأويل هذا الحديث إلى " الغنى " فقال: يستغنى به عما سواه..
وليس هذا معناه، ولكن تأويله من حسن الهبوب به والترديد والترجيع.. ألا ترى انه قال في الحديث: (ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الترنم بالقرآن) قال أبو عبد الله ﵀: فالترنم هو التلون بالألوان، ومنه
[ ١٠٨ ]
قيل للعندليب إذا صوت إنه ليترنم. وإنما قيل غناء لأنه إذا صوت به فإذا ارخى في حلقه صوته عن به، أي دخل خيشومه، فغض من صوته ثم أرسله فجهر به حتى يكون ذا ألوان؛ فهو مأخوذ من الغنة لأنه اغتن بالحروف والصوت ثم أبرزه ليتلون. وكذلك خلق ابن آدم، إنما يعظم الأمر عنده بالتلون ليتجدد، لأن كل لون يرد فهو جديد طرى. وإذا كان لون واحد عتق عند النفس وخلق فيبرمه. فتلون الأشياء من أجل النفس؛ لأنها ملولة سريعة الملل؛ لأنها ضعيفة خفيفة شهوانية طياشة، لا تكاد تصاير الأشياء سعة وغناء، كفعل القلب؛ فإن القلب ذو وقار وسكينة وغناء وطمأنينة، وإنما تلونت الأشياء من أجل أن يتهنى بها.
حدثنا سليمان بن أبي هلال الذهبي، حدثنا عبد الجبار بن الورد المكي أخو وهيب، عن ابن أبي مليكة، عن عبد الله بن السائب، عن أبي لبابة، قال: قال رسول الله ﷺ: (ليس منّا من لم يتغن بالقرآن) . يا أبا محمد، أريت من كان منا ليس بحسن الصوت؟ قال: يحسنه ما استطاع. فالغناء، والشعر، والحداء، والرجز، جرت الأخبار باجتناب ذلك والزجر عنه، فنظرنا كيف هذه الأخبارن فوجدنا هذه الأشياء إنما هي أصوات فيها كلام ومعان؛ فما كان من ذلك لله بالقرآ، وبالكلام المرضي، فهو محمود.
وماكان للنفس والدنيا فهو مذموم. فقد أمر رسول الله ﷺ بالشعر حيث هجا حسان بن ثابت المشركين، وكذلك كعب بن مالك، وابن رواحة، وقال: (لكأنما تنضحونهم بالنبل) .
[ ١٠٩ ]
حدثنا علي بن حجر، حدثنا ابن أبي الزناد، عن أبيه، عن عروة، عن عائشة ﵂، قالت: كان رسول الله ﷺ يضع منبرا لحسان بن ثابت في المسجد ينشد عليه الشعر ويقول: (إن الله يؤيد حسان بروح القدس ما نافح عن الله وعن رسوله) . وحدثنا علي حدثنا عبد الرحمن ابن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشةن عن رسول الله ﷺ بمثله.
ثم روى عنه في حديث آخر: (لأن يمتلىء جوف أحدكم قيحا خير له من أن يمتلىء شعرا) فهذا شعر وتشبيب ومهاجاة المسلمين. وقد بين الله تعالى في كتابه حالهم واستثنى منهم المحمود، فقال: (وَالشُعَرَاءُ يَتِّبِعُهُمُ الغاوون. أَلَم تَرَ أَنَّهُم في كُلِ وادٍ يَهيمُون. وَأَنَّهُم يَقُولونَ مَالا يَفعَلون)، ثم استثنى منهم فبرأهم من الذم فقال: (إِلاَّ الَّذِينَ آمَنَوا وَعَمِلوا الصالِحات وَذَكَرُوا اللهَ كَثَيرًا وَانتَصَروا مِن بَعدِ ما ظُلِمُوا) . فاستثنى منهم من تكلم بالشعر، وذكر الله كثيرا، وأراد بذلك الإنتصار لله، ولرسوله، ولدين الله، وللمؤمنين. فذلك عمل صالح، وعدة من عدد الحرب، وقوام الدين.
[ ١١٠ ]
حدثنا علي بن حجر، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا عبد الرحمن ابن زياد بن أنعم، عن عبد الرحمن بن نافع، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله ﷺ: (الشعر بمنزلة الكلام: حسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام) .
قال أبو عبد الله ﵀: فمن ابتغى به وجه اله، والدار الآخرة، صار في الميزان مع الحسنات. وما ابتغى به فرح الدنيا، وسرورها، وبهجتها، صار هباء منثورا.
وكذلك الحداء والرجز ما ابتغى به وجه الله، والدار الآخرة، والمعونة على الدين، فهو في ميزان العمل. وما ابتغى به أفراح الناس، فهذا مذموم. ز ألا ترى أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: (يا ابن الأكوع، هات لنا من هناتك)، - يعني الرجز - يريد التخفيف على المشاة حوله..
وقال ابن رواحة يوم دخل مكة بين يدي ناقة رسول الله ﷺ:
خَلَوا بَنى الكُفارِ عَن سَبيلِهِ خَلَوا فَكُلُ الحَقِ في رَسولِهِ
يارَب إِنّى مُؤمِنٌ بِقَبيلِهِ أَعرِفُ الحَقَّ فى قُبولِهِ
ضَربًا يُزيلُ الهامَ عَ، مَقيلِهِ وَيَذهَلُ الخَليلُ عَن خَليلِهِ
[ ١١١ ]
فقال عمر ﵁: يا ابن رواحة، في حرم الله وبين يدي رسول الله ﷺ؟ فقال رسول الله ﷺ: " مه يا عمر " لأنه رأى كلامه عدة وقوة للمؤمنين، ونكاية للعدو.
فإذا تغنى بالقرآن، فهو ترجيع؛ لأن في القرآن بشرى ولطائف، فإذا تغنى به، طرب القلب، فمر بالنفس، فمال بها إلى ناحيته. والنفس تسرع في الإجابة في الطرب والبهجة ما لا تسرع في الوعيد. وإنما بشروا ليطربوا لا ليذلوا وينكسروا، فكفى بالوعيد كاسرا للنفس وقامعا لها. وفي الوعد طعم وذوق، وفي الطرب تورد وزهرة وتنزع. وسمع رسول الله ﷺ قراءة أبي موسى ﵁، فقال: (لقد أوتىَ هذا مِزمارًا من مزامير آل داود)، فقال أبو موسى: يا رسول الله، لو علمتُ أنك تسمع لحبرته لك تحبيرا.
وكان داود ﵇ إذا قرأ الزبور لون في صوته سبعين لونا، فيقرؤه بألحان يطرب بها المحموم، ويقف الطير عن طيرانه، ولم تبق دابة في بر ولا بحر إلا استمعت لقراءته.
[ ١١٢ ]