وأما قوله: (نهى أن يتوارث أهل ملتين) .
فالأديان - أديان الضلالة - كلها ملة واحدة؛ لأن الأديان كلها كفر واحد، فلا يتوارث أهل ملتين.
[ ٥٩ ]
وقد جاء عن أسامة بن زيد، عن رسول الله ﷺ.. أنه قال: (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) .
حدثنا سعيد بن عبد الرحمن المخزومى وعبد الجبار بن العلاء، قالا: حدثنا سفيان، قال: سمعناه من الزهرى يقول: سمعت على بن الحسين، عن عمرو بن عثمان، عن رسول الله ﷺ.
وهذا من أجل أن الميراث إنما يرثه باتصال الرحم، والكافر لا وصلة له؛ لأنه منقطع عن الله، ومن انقطع عن الله لم يتصل رحمه بشيء؛ لأن الرحم بدت وشق لها اسما من اسمه. فهذا المسلم إنما يستحق مال الميت باتصاله بميته، وإنما اتصل بميته لاتصاله برحمه، وإنما اتصل برحمه لا تصاله بالرحمن الذى بدت منه. فإذا انقطع عن الله فمتى يتصل؟! وروى عن رسول الله ﷺ أنه قال: (خلق الله تعالى الرحم فقامت فأخذت بحقوى الرحمن، فقالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال: مه، أنا الرحمن، وأنت الرحم، خلقتك بيدى، وشققت لك اسما من اسمى، وقربت مكانك منى؛ ألا ترضين أن أصل من وصلك، وأن أقطع من قطعك؟) . حدثنا ببعض ذلك قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم
[ ٦٠ ]
ابن إسماعيل المدنى، عن معاوية بن أبى المزرد مولى بنى هاشم، حدثنى عمى أبو الحباب سعيد بن يسار، عن أبى هريرة، عن رسول الله ﷺ. وحدثنا ببعضه الفضل بن محمد، حدثنا عمران بن بكار الحمصى، حدثنا على بن عياش، حدثنا محمد بن زياد، عن ميمون بن مهران، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ، قال: قال الله تعالى للرحم (خلقتك بيدى، وشققت لك اسما من اسمى، وقربت مكانك منى؛ وعزتى وجلالى لأصلن من وصلك، ولأقطعن من قطعك؛ ثم لا أرضى حتى ترضين) .
قال أبو عبد الله ﵀: فهذه نفوس متباية، فإنما تتصل بالأرحام المتصلة لا بالأرحام المنقطعة: (وَمَن يُشرِك بِاللهِ فَكَأَنّما خَرَ مِن السَماءِ فَتَخطَفُهُ الطَيرُ أَو تَهوى بِهِ الرِيحُ في مَكانٍ سَحِيق) . فكيف يقرنه بالميت المسلم حتى يستحق بقرباه شيء وقد قال الله تعالى: (فَبُعدًا لِقَومٍ لاَ يُؤمِنون) . وقد قيل: إن أهل الملل قد تباينوا بمللهم، فلا يرث اليهودى النصرانى، ولا النصرانى المجوسى. فصير أهل كل دين ملة، واحتج بقوله: (لا يتوارث أهل ملتين) . فإذا تشتت مللهم لم يتوارثوا.
ولم يأخذ بهذا القول علماؤنا من أهل الكوفة، ورأوا أن الكفر كله ملة
[ ٦١ ]
واحدة.. يحقق قولهم هذه الآية (إِنَّ الَّذَينَ آَمَنوا وَالَّذَينَ هَادُوا وَالصَابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالمَجُوس وَالَّذَينَ أَشرَكوا إِنَّ الله يَفصِلُ بَينَهُم يَومَ القِيامَة) . ثم قال: (هذان خصمان اختصموا في ربهم، فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار) .وذكر الذين آمنوا، فصير الكفر والإسلام ملة، حتى صيرهم خصمين في ربهم.