وأما قوله: (ونهى عن رفع الأصوات في المساجد، وأن تنشد الضالة، وأن ينشد الشعر، وأن تقام فيه الحدود، وعن أن تقاص فيه الجراحات، وعن البيع فيه) .
فهذا كله يشبه بعضه بعضا؛ لأن فعل هذا كله في المسجد ترك لحرمة المسجد؛ لأن المسجد بيت الله، أذن الله أن يرفع، ويعظم، ويشرف،
[ ١٥٦ ]
ويذكر إسم الله فيه، ومن أتى المسجد فقد زار ربه، وأن في التوراة مكتوبا: من أتى المسجد فقد زارني وضافني، ولن أرض له قرى دون الجنة، فالمساجد بيوت طيبة..
حدثنا يحيى بن أحمر الطائي، حدثنا محمد بن مسلم الطائي، حدثني خال عبد الله بن المؤذن، عن سعيد بن المسيب، قال: من جلس في المسجد، فإنما يجالس ربه، وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: (الله نورُ السَمَواتِ وَالأَرضِ) . ثم قال: (في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فيها اِسمُهُ) فقوله (فى) ينبك عن قول سعيد، فإذا رفع الصوت فيه في خصومة، أو لغط، أو لغو؛ فقد ضيع حرمته. فرفع الصوت في الدعاء، والذكر، والقرآن، والمناظرة للتفقه في الدين، محمود كله؛ ولهذا بنى، لأن هذا كله ذكر الله.
وإقامة الحدود والاقتصاص من الجراحات عقوبات، والمسجد موضع نزول الرحمن. وناشد الضالة طالب دنيا، وإنما بني لطلب الآخرة. وكذلك البيع والشراء فهو أرباح الدنيا، وإنما بني لأرباح الآخرة ولمتاجرة الملك الأعلى لا لمتاجرة العباد. والبيع يحضره الشياطين واللغو والكذب، والمسجد ليس بحقيق لمثل هذا.
وأما إنشاد الشعر، فإن كان من الشعر الذي فيه قوام الدين، ويرجع إلى محمود الأمر؛ فهو خارج من النهي؛ فقد فعله حسان بن ثابت في مسجد
[ ١٥٧ ]
رسول الله ﷺ، وفي حرم الله تعالى حين دخل مكة، وفعله عبد الله بن رواحة ﵁ في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلمن وفي حرم الله تعالى حين دخل مكة، والحرام مسجد كله. وما كان فيه تشبيب ومباح أن يبسط، فالمسجد معظم ومنزه عن ذلك؛ لأنه للذكر بنى. ألا ترى إلى قوله تعالى: (في بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرفَعَ وَيُذكَرَ فيها اِسمُهُ) . وقال: (وَمساجِدَ يُذكَر فيها اِسمُ الله كَثيرًا) .