وأما قوله: (وَنَهى أن تتكلم المرأة مع غير زوجها أو ذي رحم غير محرم إلا خمس كلمات فيما لا بد منه) .
فهذا سببه ما تقدم، لأن الكلام نغمة، وفي النغمة فتنة وشهوة، فإذا كلمت غير زوجها فقد أذاقته بعض شهوتها، فقد خانت زوجها.. الا ترى أنه استنثى المحرم لأنها لا تحل له، وقرب رحمها منه يحول دون أن يجد طعما للذاتها. ثم أطلق لها في كلمات محظورات ذات عدد لا بد لها منها للضرورة.
قال أبوعبد الله ﵀: وكان عندنا رجل أعمى، افتتن بجارة له، حتى ابتلى بلاء عظيما وخرب منزله، فسألت عن سبب ذلك، فقيل: كان بينهما كوة، فكانت تجىء تلك المرأة فتحدث إمرأة الأعمى ويستمع الأعمى إلى حديثها، فافتتن بها لحلاوة نغمتها وعذوبة ألفاظها.. فيما ذكر لي.
والنغمة شأنها عظيم، ومن ها هنا قال: (من نابه شيء في صلاته، فلتسبح الرجال، ولتصفق النساء)؛ لحال النغمة، فإن فيه افتتانا للمصلين إذا سمعوا نغمة المرأة بالتسبيح. والمراة جند من جنود إبليس عظيم؛
[ ١٢٨ ]
ولذلك قال إبليس حيث خلقت المرأة: فأنت نصف جندي، وأنت موضع سري، وأنت سهمي المسموم الذي أرمي بلك فلا أخطىء. وإنما صارت مسمومة لأنها خلقت من الضلع الذي يجاور موضع الشهوة، من آدم ﵇. فهي من قرنها إلى قدمها شهوة حتى شعرها وظفرها؛ فلذلك أمرت أن تستر كل شيء منها إلا ما ظهر مما لا يمتنع وهو: الوجه والكفان؛ فبالوجه تنظر، وبالرجل تمشي، وباليد تتناول.
ألا ترى كيف حجب الله نساء النبي من المؤمين وقال (وَإِذَا سَأَلتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَاسأَلوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجاب) ثم قال: (ذَلِكُم اأطهَرُ لَقُلُوبِكُم وَقُلُوبِهِنَّ) . فرحم الله العباد، فمنعهم النظر إليهن كيلا يقعوا في خيانة الرسول ﷺ، ولا يقعن في خيانة الرسول ﵇. فما ظنك بمن خان محمد ﷺ في أهله ماذا يحل به من الله؟ حدثنا عمر بن أبي عمر، حدثنا سعيد بن أبي مريم المصري، حدثنا نافع بن يزيد، حدثنا خالد بن يزيد، عن عثمان بن سعيد، قال: لقى يحيى ابن زكريا عيسى ﵉، فقال يحيى لعيسى ﵉: يا روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم، حدثني.. قال عيسى ﵇: بل أنت فحدثني؛ أنت خير مني؛ أنت روح الله وكلمته تقعد مع الروح؛ فحدثني ما يبعد من غضب الله. قال له عيسى ﵇: لا تغضب. قال: يا روح الله، ما يبدي الغضب ويثبته؟ قال: التعزز، والحمية، والفخر، والعظمة. قال: يا روح الله، هؤلاء شداد كلهن؛ فكيف لي بهن؟ قال:
[ ١٢٩ ]
سكن الروح، واكظم الغيظ. ثم قال له: وإياك واللهو؛ فيسخط الله عليك، وإياك والزنا؛ فإنه من غضب الرب. قال: يا روح الله، ما يبدي الزنا وثبته ويقيده؟ قال: النظر، والشهوة، واتباعها.. لاتكونن حديد النظر إلى ما ليس لك؛ فإنه لن يزنى فرجك ما حفظت عينيك، ولن تستطيع ذلك إلا بالله.