وأما قوله: (ونهى عن النياحة، والاستماع إلى النياحة؛ ونهى عن الجمع عند صاحب الميت، وعن إطعام الناس آل الميت، وعن الإجابة إلى طعام الميت؛ ونهى أن يقعد الرجل في بيته للمصيبة ثم يؤتى فيعزى) .
فهذا كله معدود في صفحة النوح؛ لأن صاحب المصيبة أصابه حكم الله في ذلك الشيء، وخلص إلى النفس ما كرهت، واقتضاها إيمانه التسليم لله، والتعرى من المنازعة مع الله في ذلك الشيء الذى استأثر به؛ فسلموا بقلوبهم، واسترجعوا بألسنتهم؛ اعترافًا بأن الملك لله، والمرجع إليه؛ فيرد إلينا ما أخذ منا وأضعافه.
[ ٨١ ]
وأهل الكفر في عمى من ذلك، فكانت نفوسهم تنازع وتتبع الغائب، فإذا لم تجد صاح ورن النوح التعديد بعد أحوال الغائب وما كان ألفا به، ويتوجع، ويتفجع؛ فليس عنده نور المعرفة فيطفى به ثائرته. فذلك الصراخ من سخطه على ربه في حكمه، وضيق صدره بما حل به من حكمه، يضيق عن التسليم لأنه ضاق عن النور من أن يلج فيه؛ فيصرخ، ويرن، وينتف الشعر، ويشق جيبا، ويخمش وجها، ويعدو أحوال الميت؛ توجعا وأسفا على ذلك.
كل ذلك تلظيا على حكم ربه، وسخطا على مقدوره، واشتداد على تدبيره. وإنما أوتى ذلك لأنه متكبر جبار، ومن الجبر والكبر الذى فيه تكبر على الله أن يقول لا إله إلا الله: (إِذَا قيلَ لَهُم لاَ إِلاَّ الله يَستَكبِرُونَ وَيَقُولُونَ أَئِناّ لَتارِكُوا آَلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجنون) . لما حجبهم عن رحمته جهلوا الرحمن، ولما قال لهم: وحدوا، استكبروا واشمأزت قلوبهم: (وَإِذا ذُكِرَ الَّذَينَ مِن دُونِهِ إِذا هُم يَستَبشِرونَ) . فعند المصائب والمكاره ضيقت قلوبهم تلك الجبرية التى فيهم؛ فمن ضيق الصدر صرخوا، ونتفوا، وخمشوا، وخدشوا، وشقوا الجيوب. ومنهم من يحرق نفسه، ومنهم من يجدع أنفا وأذنا.
[ ٨٢ ]
فالنياحة هي تعديد الأحوال كالمراثى لتتوقد نار المصيبة، وحرقات الرأفة، وتقوى الفجيعة. فذلك من السخط والتلهف على الفائت المفقود. وكانوا يحتشدون لذلك، ويتخذون عليه الطعام، وتتبع نساؤهم الميت إلى المدفن بهذه الصفات، ويقعدون محتشدين متعاونين على إقامة هذا الرسم أياما وشهورًا جزعين ساخطين، ويزورون القبور فيظهرون من الجزع أكثر مما في باطنهم بنفورهم عن كل نعمة وموضع سرور، كهيئة المقهور المتكلم المتشكى ممن قهرة وظلمه.
فهذه كلها أحوال المشركين في مصائبهم..
فلما ابتعث الله رسوله الله ﷺ بدين الإسلام، أمرهم بالصبر والنزول على حكمه، وأكرم الأمة ببعثه، وبشرهم، وبين لهم الثواب في الأجل - وزجر رسول الله ﷺ عن النياحة، وعن كل ما أشبه النياحة، وكل سبب من أسبابها؛ حتى نهى عن البكاء؛ فقال في شأن ميت مات بحضرته: (إذا وجب فلا تبكين باكية) . أراد بذلك حسم هذا الباب على المسلمين لحداثة عهدهم بأمر الجاهلية، حتى بلغ من حسمه أن نهاهم عن زيارة القبور.
فكذلك كل أمر حرمه الله، وكان لذلك الأمر أسباب، حرم تلك الأسباب الداعية إلى ذلك الأمر، منها تحريم الخمر؛ فلما حرمت الخمر زجر
[ ٨٣ ]
عن كل شراب في دباء، أو حنتم، أو مزفت، أو مقير، أو نقير؛ مخافة أن يشتد الشراب وهم لا يعملون. وإن كان في زق فاشتد انشق الزق. فلما هدأت النفس، ومرنت عن الانتهاء عما نهو عنه، أطلق لهم فقال: (كنت نهيتكم عن النبيذ فاشربوا، ولا تشربوا مسكرًا، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، فإن فيها معتبرًا)، ثم قال: (ولا تقولوا هجرًا) . فبين ﵇ علة النهى أنهم كانوا إذا زاروا القبور قالوا هجرا، فصاروا إلى النياحة، فلما تمسكوا وعقلوا الإسلام أطلق لهم الزيارة.
[ ٨٤ ]
وحسم عليهم أبواب النياحة حتى إذا اهتدوا وفقهوا أطلق لهم من ذلك ما لم يكن به بأس.
فلما جاءه نعي جعفر ﵁، قال: (اصنعوا لآل جعفر طعامًا؛ فقد أتاهم أمر شغلهم) . حدثنا المخزومى عبد الجبار، حدثنا سفيان، عن أبى إسرائيل، عن طلحة بن مصرف، سأل يحيى بن عبد الله: أتجتمع عندكم النساء عند خروج الميت؟ قال: نعم، قال: فتلك النياحة فلا تفعلوا.
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الفضل بن فضالة، عن ربيعة بن سيف المعافرى، عن أبى عبد الرحمن الحبلى، عن عبد الله بن عمرو، قال: قبرنا مع رسول الله ﷺ ميتا، فلما انصرف رسول الله ﷺ انصرفنا، فلما حاذى بابه وقف وتوسط الطريق، فإذا امرأة مقبله لا نظنه عرفها، فلما دنت فإذا هي فاطمة ﵂ فقال لها رسول الله ﷺ: (ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟)، فقالت: أتيت أهل هذا الميت فرحمت إليهم ميتهم - أو عزيتهم - (لا يحفظ ربيعه أى ذلك قالت)، قال أبو عبد الرحمن: فقال
[ ٨٥ ]
رسول الله ﷺ: (فلعلك بلغت منهم الكدى؟)، قالت: معاذ الله وقد سمعتك تذكر فيها ما تذكر، قال: (لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جدك أبو أبيك) . قال قتيبة: الكدى المقابر.
حدثنا المخزومى، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أبى خالد، عن حسن ابن المعتمر: أن رسول الله ﷺ رأى امرأة معها مخمرة، وهو يريد أن يصلى على جنازة، فصاح صيحة، فقام لا يكبر، فما زال يصيح بها حتى دخلت المدينة، فلما توارت بالبيوت، تقدم النبي ﵇ وكبر عليها. فهذا كله في بدء الأمر.. حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا جرير، عن عطاء بن السائب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵁، قال: احتضرت بنت رسول الله ﷺ، فضمها إليه، وجعلها بين يديه، فوضعها وقد قضت، فبكت أم أيمن، فقيل لها: وما لي لا أبكي والنبي ﵇ يبكي؛ فقال النبى ﵇: (إنى لا أبكى، إنما هى رحمة) .
إن المؤمن بخير على كل حال، تنزع نفسه من بين جنبيه وهو يحمد الله.
فإنما نهى عن البكاء في بدء الأمر لحسم الباب، وطمس أفعال الجاهلية
[ ٨٦ ]
وسنتها، ثم أطلق في إرسال الدموع، ثم قال: (ما كان من القلب أو العين فمن الله، وما كان من اليد أو اللسان فمن الشيطان) .
حدثنا سفيان بن وكيع، حدثنا أبى، عن ابن ليلى، عن عطاء عن جابر، عن رسول الله ﷺ لما بكى عند موت إبراهيم ﵇ قال رجل: يا رسول الله، أليس قد نهيتنا عن البكاء؟! قال: (إنما نهيتكم عن صوتين أحمقين فاجرين: صوت رنة عند مصيبة، وصوت مزمار عند نعمة) .
حدثنا المخزومى، حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن شقيق قال: لما مات خالد بن الوليد ﵁ اجتمع نساء بنى المغيرة في بيته يبكين عليه، فقيل لعمر ﵁: وما على نساء بنى المغيرة لو أهرقن على أبى سليمان سجلا أو سجلين ما لم يكن نقع أو لقلقه. والنقع: شق الجيب، واللقلقة: الصوت.
وعمر ﵁ يروى عن رسول الله ﷺ: (أن الميت ليعذب ببكاء أهله)؛ ليعلم أن البكاء المنهى عنه هو الصوت، والتعديد نوحا، وأما الدموع فهو بكاء رحمة.
[ ٨٧ ]
فقد دل ذلك على أن هذه الأشياء من الحزن والدمع خارج من هذه الأشياء؛ فإن الرسول ﵇ شدد في ذلك بدءًا حتى عقل الناس وفقهوا في الدين، فوسع الأمر عليهم في إسبال الدموع، وفي الاجتماع، واتخاذ الطعام؛ شفقة على أهل الميت.
فكل ما كان لله فهو حسن؛ فإذا أصاب المسلم مصيبة قعد للتعزية هو وأهل بيته، معظمين الموت، ولهذا الميت الذي خلا منه مصلاه، وآثار إسلامه وبركة عبودته. وتحازنوا على ما دخل من النقص في عدد المسلمين؛ فإن فقد رجل من المسلمين أعظم من فقد الدنيا بما فيها من الزينة والنعم. فقعد ليعزى، أو لئلا يشتد على إخوانه عن المسلمين طلبه وتتبع الأبواب في لقائه، فقعد على هذه النية؛ فهو مأجور. فإذا رق وبكى فهو مأجور؛ لأنه إن لم يرسل دمعته رجع ذلك الحزن على نفسه وذلك مما يضر به فإذا فعل ذلك على هذا القصد فهو مأجور. وهو فعل المسلمين: رحموا، ورقعوا، وحزنوا، وبكوا، وطعموا، واجتمعوا، وزاروا القبور، وسلموا على الموتى، ودعوا، وعظموا أمر الميت وأمر الله، وسلموا إليه أمرهم قلبًا، واطمأنوا إلى فعله، طيبة بذلك نفوسهم. وأكرمت هذه الأمة بفضل الإسترجاع، فأنه لم يعط أمة هذا. فهذا سبيل المهتدين الصابرين.
وأما من بكى رياء، وجمع الناس للمراءاة، والتزين، والفخر، والخيلاء، واتخذ على ذلك طعاما، وباهى، وقعد للتعزية للتكبر والعلو؛ فهذا أمر الجاهلية.
قال: وسمعت أبا يعلى يقول: سمعت الحسن بن الربيع يقول: أخذ ابن المبارك من أيوب السختيانى أمرين من أمر الناس: مات يعلى بن عطاء ولم يترك
[ ٨٨ ]
ذكرا، فقعد أيوب السختيانى على بابه؛ وكان أيوب إذا قدم من سفر أطعم.. فمات سهل بن على ولم يترك ذكرا، فقعد ابن المبارك على بابه؛ وكان إذا قدم من سفر أطعم.