قال ابن جرير الطبري: "وهذه الآيات من لدن قوله تعالى: [وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ] إلى هذا الموضع [الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (٤٦)] (^١) ذكر أنها نزلت في (عيينة بن حصن والأقرع بن حابس) (^٢).
ثم ذكر ابن جرير بسنده من قال بذلك.
فقال: عن خباب في قول الله تعالى: [وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِين] (^٣) قال: "جاء الأقرع بن حابس التميمي، وعيينة بن حصن الفزاري، فوجدوا النبي ﷺ قاعدًا مع بلال وصهيب وعمار وخباب في أناس من الضعفاء من المؤمنين، فلما رأوهم حوله حقروهم، فأتوه فقالوا: إنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسًا تعرف لنا العرب به فضلنا، فإن وفود العرب تأتيك فنستحيي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد، فإذا نحن جئناك فأقمهم عنا فإذا نحن فرغنا فاقعد معهم إن شئت، قال نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك بذلك كتابًا، قال: فدعا بالصحيفة ودعا عليًا ليكتب، قال: ونحن قعود في ناحية إذ نزل جبريل بهذه الآية
[وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) (^٤)
ثم قال: [وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ] (^٥)
_________________
(١) «الكهف (٤٦).
(٢) جامع البيان في تأويل القرآن (١٨/ ٣١).
(٣) «الأنعام (٥٢).
(٤) الأنعام (٥٢).
(٥) «الأنعام (٥٣).
[ ٥ ]
ثم قال [وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ] (^١) فألقى رسول الله ﷺ الصحيفة من يده، ثم دعانا فأتيناه وهو يقول: [سَلَامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ]، فكنا نقعد معه، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا، فأنزل الله تعالى: [وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا] قال: "فكان رسول الله ﷺ يقعد معنا بعد، فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها، قمنا وتركناه حتى يقوم" (^٢).
قال الحافظ ابن كثير: "هذا حديث غريب فإن هذه الآية مكية والأقرع بن حابس وعيينة إنما أسلما بعد الهجرة بدهر" (^٣).
قال الشيخ أحمد شاكر بعد إيراده لكلام الحافظ ابن كثير الآنف. وهذا هو الحق إن شاء الله (^٤).
قال أبو سعيد الملائي: " .. لكن اتفق العلماء على أن هذه السورة مكية، وإنما كان مجيء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس والمؤلفة قلوبهم إلى النبي الله ﷺ وخطابهم له بالمدينة هذا ما لا ريب فيه، فالظاهر والله أعلم أن هذه الآيات نزلت في عظماء المشركين من أهل مكة الذين عابوا النبي ﷺ ملازمة الفقراء المؤمنين له كصهيب وبلال ﵃، وقالوا له اطرد هؤلاء عنك حتى نأتيك لا في عيينه والأقرع، أو تكون هذه الآيات مدنية، والأول أقرب وأصح لا تفاقهم على كون السورة مكية .. " (^٥).
_________________
(١) «الأنعام (٥٤).
(٢) تفسير الطبري (١١/ ٣٧٦، ٣٧٧).
(٣) تفسير الحافظ ابن كثير (٣/ ٢٦٠).
(٤) تفسير الطبري (١١/ ٣٧٧).
(٥) جزء في تفسير الباقيات الصالحات (١/ ١٧).
[ ٦ ]