الغيبة
وأما الغيبة، فهي ذكرك أخاك بما فيه مما يكره لو سمعه، وفي الحديث، أنها أشد من ثلاثين زنية في الإسلام، وفي الكتاب العزيز ذمها وتشبيهها بأكل لحم الميتة.
وأعظمها ما يترتب عليه حكم، كأن تكون بقذف ونحوه، ثم ما يترتب عليه ثلم، كالأفعال المخلة بالمروءة، والدين، ثم ما يكون صفة للشخص، كالعرج، والعور، ونحوه مما لا يكتفي في تعريفه بدونه، ثم ما يكون راجعا لمتعلقاته، كبيته، وكلبه، ودابته، ونسبه وثوبه، إلى غير ذلك.
وتباح في الرواية، والشهادة تعديلا وتجريحا، وفي المشاورة تحذيرا وتحرزا، وفي الاستفتاء، والخصومات، والتكلم في حق المجاهر بالبدع والكبائر، فيما جاهر به.
وقال ﵊ في المشاورة له في النكا: (أبو الجهم ضراب ومعاوية صعلوك) ولم ينكر على هند لما استفت في أبي سفيان وتكلمت عنده أن أبا سفيان رجل شحيح، وقال ﵇: (من ألقى جلباب الحياء من وجهه فلا غيبة فيه) فهؤلاء تباح غيبتهم إلا إن ذكرهم اشتغالا بعيبهم، فليتق المؤمن من ذلك، فإنه نقص، وإن لم يكن حراما، وقال ﵇: (طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب الناس) ومن أقبح الغيبة ذكر عيب أخيك بإظهار الشفقة عليه، فيحصل المقصود من غير تهريج، فيقال: مسكين فلان، لقد أساءني حاله، وغمني ما هو عليه، إلى غير ذلك.
وذكر رجلين ما اطلعا عليه من رجل ليس بغيبة، وكذا ذكر غير معين، ولا محصور بأهل بلد وقرية، ووجه الخلاص من الغيبة: بذكر قبحها، وذكر عيبك، وأن المغتاب عاجز عن إصلاح نفسه، كعجزك.
وقال ﵇: (من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته فيفضحه، ولو في جوف بيته) وجاء: (لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك) . وقال بعض العلماء: (الغيبة صاعقة الدين وهي بساتين الملوك، ومراتع النساء، ومزبلة المتقين، وفاكهة القراء، وإدام كلاب الناس) وقال إبراهيم بن أدهم، ﵁: (صحبت أكثر رجال الله بجبل لبنان، وكانوا يقولون: يا إبراهيم إن رجعت إلى أبناء الدنيا فأعلمهم أن من يكثر الأكل لا يجد للطاعة لذة، ومن يكثر النوم لا يجد للعمر بركة، ومن يكثر الكلام بفضول أو غيبة، فلا يخرج من الدنيا على السلامة) .
وقول الرجل لصاحبه عند نهيه عن الغيبة: ما قلت إلا ما فيه، كفر، أو قريب من الكفر إن اعتقد حليته، بعد العلم بتحريمه، والله أعلم.