أما أولا:
فإن من أعز الأشياء قلبَك ووقتَك، فإذا لم تحفظ قلبك عن الاشتغال بالخطوط الفانية، وتستعمل وقتك فيما يوجب لك الترقي بقوة الله إلى الدرجات العالية، ضاعت فوائدك وفاتت مقاصدك. وفي الحديث النبوي المعروف قوله ﷺ: "اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك، ودنياك قبل آخرتك (^١) "، وفي
_________________
(١) يلحظ هنا مخالفة السياق الروايات المعروفة في كتب الحديث ففي معظمها البدء بالحياة فالصحة فالفراغ فالشباب وخامسها: "غناك قبل فقرك"، ولم يرو "دنياك قبل آخرتك" فالظاهر اعتماده على الذاكرة وقد خانته هاهنا. والحديث أخرجه النسائي عن عمرو بن ميمون مرسلا، وأبو نعيم كذلك في الحلية ٤/ ١٤٨، والحاكم ٤/ ٣٠٦ وفيه البدء بالشباب وصححه ووافقه الذهبي واعترضهما المناوي لضعف جعفر بن برقان وقال أخرجه أحمد في الزهد وحسن العراقي إسناده (فيض القدير ٢/ ١٦).
[ ٢٥ ]
الحديث الآخر: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ (^١)».
فخذ نفسك بتحقيق طريق المحاسبة الظاهرة والمراقبة الباطنة تظفر بالكنز الأسنى والمقصد الأعلى.
واعلم أن (المحاسبة) في اصطلاح أكثر الطائفة (^٢) تختص بالأعضاء السبعة الظاهرة، وهي: الأذن والعين،
_________________
(١) وفي روايات الحديث صور أخرى من السياق كالبدء بذكر الحياة والفراغ فالغنى والشباب. (الحلية ٤/ ١٤٨) والبدء بالشباب فالصحة فالغنى فالفراغ (المستدرك ٤/ ٣٠٦) وقد ساقه الغزالي في الإحياء مثله فاعترضه الزبيدي في شرحه ١٠/ ٢٥٣ بأن لفظ الجميع بالبدء بالحياة فالفراغ وعزاه الزبيدي أيضا لابن أبي الدنيا في (قصر الأمل) بسند حسن، ونقل عن العراقي عزوه لابن المبارك في الزهد من رواية عمرو بن ميمون مرسلا (وهو في الزهد ص ٣ لكنه ليس مرفوعا بل أثر من قول عمرو، ولا ينافي ذلك رفعه من طريق أخرى). أخرجه البخاري في صحيحه ٨/ ١٠٩، والترمذي والنسائي وابن ماجه.
(٢) مراده بالطائفة: الصوفية والزهاد.
[ ٢٦ ]
واللسان [والأنف] (^١) والفرج، واليد والرجل - وأن (المراقبة) تختص بالخواطر القلبية الباطنة (^٢) فرابط الثَّغرين، واجتهد على تحقيق هذين المقامين.
***
وهذه «النصيحة المختصة»، لا تحتمل بسط المقال وتوسيع المجال، فلاحظ نكتًا أوردها عليك، والله خليفتي عليك.
قال أمير المؤمنين عثمان بن عفان -﵁-،
_________________
(١) زدتها على النص لاقتضاء العدد وجودها، فالمذكور ستة بعد الحصر بسبعة، و(الأنف) أحد الحواس الظاهرة، فإغفاله سبق قلم ..
(٢) لهذا الاصطلاح ما يعضده، فإن المحاسبة من الحساب وهو عمل يجري في الأمور المحسوسة الظاهرة، فيناسب هذا الاستعمال للنظر في شأن الحواس الظاهرة، أما المراقبة فللأعمال القلبية من العزم والهم والخاطر.
[ ٢٧ ]
في سياق التمدح: والله ما تغنَّيت ولا تمنَّيت (^١). فاحذر كل الحذر من تحكيم الخيال، والتورُّط في لجج الآمال، واعتبر قول من قال: فِكرُك فيما مضى، وفِكرُك فيما يأتي شغل عما يلزمك في الوقت.
وهذه كلمة جامعة، فانقش معناها في قلبك يفتح لك الباب (إن شاء الله) في تحقيق عبودية ربك (^٢)، واحذر من دقائق الشرك فإنه السُّمُ القاتل، ومن المعلوم أن التوحيد أعظم المقامات والشرك -بلا شك- أعظم المهلكات.
وهذا كلام مجمل تفني دون تحقيقه الأعمار، وقد عجز عن تسنُّم ذِروة كماله الصغار ومعظم الكبار.
فالتوحيد لبّ القرآن، ونظام الشريعة، وسر الملة
_________________
(١) تتمته: ولا شربت خمر في جاهلية ولا إسلام. التمني هنا: التكذب أي اختراع الكذب، من مني يمني إذا قدَّر -لأن الكاذب يقدر الحديث في نفسه ثم يقوله .. ويقال للأحاديث التي تتمنى .. الأماني (النهاية).
(٢) مقصود: عبوديتك لربك، فالإضافة هنا على تقدير اللام، وهي من إضافة المصدر إلى مفعوله.
[ ٢٨ ]
الحنيفية، وخلاصة الدعوة المحمدية. قال الخليل الأول إبراهيم ﵇ لما وضع في كفة المنجنيق: حسبي الله ونِعْمَ الوكيل (^١). ولما ضجَّت الملائكة عليهم الصلاة والسلام وقالوا: ربنا خليك يُلقى في النار، ليس لك خليل غيره، وأتاه جبريل -﵇- وناداه: يا إبراهيم، ألك حاجة؟ قال: أما إليك فلا (^٢). فجرًّد التوحيد وحقق التفريد، ولما فعل ذلك وأفرد الواحد، تولاه الواحد سبحانه، وجعل النار عليه بردًا وسلامًا.
وقد عُلِم أن الخلق والاختراع لا يقدر عليه غير الله
_________________
(١) روى البخاري (٦/ ٤٨) عن ابن عباس أنه قال: حسبنا الله ونعم الوكيل قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل﴾. وروى ذلك النسائي والحاكم وابن جرير في التفسير (تفسير ابن كثير، آل عمران/ ١٧٣).
(٢) ذكر ذلك ابن الأثير في الكامل ١/ ٥٦ ولم يورده الطبري ولا ابن كثير في البداية (١/ ١٤٦) مع إشارته إلى تفصيل خبر إلقائه ﵇ في النار وما دار عندئذ.
[ ٢٩ ]
تعالى. وكذلك جميع خصائص الربوبية، كالنفع (^١) والضر، والعطاء والمنع، والإحياء والإماتة، وإسباغ العماء، وإجابة الدعاء، والنصر على الأعداء. قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُم مِنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ (^٣) مع قوله سبحانه: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ ..﴾ (^٤) الآيات كلها، وهذه الآيات الشريفة من أَجَلِّ آيات التوحيد وأعظمها
_________________
(١) المراد من النفع - وما بعده - ما قضاه الله للعبد من نفع وضر .. إلخ أما التسبب بذلك من العبد للعبد فليس منفيا عنه مطلقا بل المنفي عن غير الله تعالى هو الاستقلال بذلك دون إرادة الله، وعليه جاء الحديث: لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك .. لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك ..» أخرجه الترمذي.
(٢) سورة فاطر/ ٢.
(٣) سورة النمل/ ٦٤.
(٤) سورة فاطر/ ٦٢.
[ ٣٠ ]