الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله، والرضا عن أصحابه، والسلف الصالح المتبعين لهم بإحسان.
وبعد، فإن المؤلفات الكثيرة المتنوعة في علوم الدين لم تغن عن كتابات خاصة يختار فيها الكاتب ثمار تلك العلوم والقطوف الدانية منها، متخففا من المنهج التأليفي أو الاستيعاب لمسائل العلم الذي يود أن يطرقه، بل يمر بتلك المسائل مرور النحلة التي ألهمت أن تأكل من الثمرات وهي تسلك سبل ربها ذللا، فإذا بتلك الكتاب -على وجازتها- تغدو كشراب مختلف الألوان فيه الشفاء من أدواء الاعتقاد أو السلوك لما فيه من نداءات.
[ ٣ ]
خالصة للنهوض من الغفلة التي ترين على القلوب بما تكسب الجوارح من آثام، وما تنساق إليه النفوس من عادات مجافية للشرع وبدع محدثة لا تروج إلا على حساب طمس الحقائق واندثار معالم السنة وهدي النبوة.
وهذه الكتابات الرشيقة الآخذة من كل علم بطرف، تظهر في صور عديدة:
منها: أسلوب تقييد الخواطر فيما يشبه كتابة المذاكرات النافعة للآخرين، كصيد الخاطر لابن الجوزي.
ومنها: طريقة تجميع الفوائد، كبدائع الفوائد لابن القيم.
ومنها: منهج كتب الحسبة وهي كثيرة معروفة .. وبعضها لم يحمل بين طيات اسمه كلمة (الحسبة) مع أنه من أهم كتبها، كمعيد النعم ومبيد النقم للسبكي.
ومنها: كتب الوصايا، والنصائح والعظات.
ومن الوصايا ما يذكر في الكتابات الديوانية كالعهود.
[ ٤ ]
والتقاليد والتفاويض والمراسم قال ابن فضل الله العمري في كتاب «التعريف بالمصطلح الشريف» ممهدا لما أورده منها بحسب المراتب وأصحاب المناصب والمهن: "وهذا باب كبير، وللقلم فيه سبح طويل" واستغرق بيانه للنماذج المختلفة من ص ١٢٩ - ١٨٥.
وهذه النصيحة المختصة التي بين أيدينا هي من هذا القبيل، فقد آلت إليّ مخطوطتها في نسختها الأولى (وربما الوحيدة حسب علمي) لأنها بخط ابن المؤلف ولعله كتبها ليحملها شخص غريب فلا يعرف أمرها ولا تذكر في عداد مؤلفات صاحبها.
وهذا ما تبين بعد البحث والتتبع في فهارس المخطوطات المتاحة ودواوين التراث وعلى رأسها أعمال بروکلمان وسزكين.
لقد حرصت على إخراج هذه (النصيحة) من طيّ الخفاء، لما وجدته فيها من استجماع ما أشرت إليه من صفات تميزت به أمثال هذه الوصايا الوجيزة عن المؤلفات المطولة المبوبة .. وأشفقت أن تضيع بعد ما احتجبت عن
[ ٥ ]
الضوء قرونا كثيرة .. فقمت بتحقيق نصها وتهيئته للنشر بصورة لا تحرمها ما هي عليه من وجازة ورشاقة، ولم أر مسوغا للتعليق المسهب عليها حتى لا تخرج عن طبيعتها التي أرادها عليها كاتبها .. فلم أزد عن توثيق النص، وتخريج الآيات والأحاديث والآثار، وإيضاح بعض ما يعسر فهمه، بالقدر الضروري، سعيا إلى تيسير الانتفاع بها على نطاق واسع.
وفيما يلي نبذة عن المؤلف والمخطوطة
[ ٦ ]
(المؤلف)