بالإضافة إلى ما سبق في التقديم عن موضوع هذا الكتاب تجدر الإشارة إلى أن هذا الكتاب يندرج موضوعه تحت علم التربية (التصوف أو السلوك) أو علم الآداب الشرعية أو علم الأخلاق وما وصل إلينا من هذا النوع إما علم لم يوجه إلى شخص معين، وإما کتب خصيصا ليوجه من والد إلى ولده أو من أستاذ إلى تلميذه، أو صاحب إلى صديقه.
ويغلب على النوع العام من ذلك أن يحتوي على أبواب متكاملة ويشتمل على المقولات الممثلة لهذا الفن في حين لا يهدف بعضها إلى مراعاة علم من هذه العلوم، بل يرمي إلى تحريك الهمم ويؤدي دور الحافز إلى مراجعة مقولات تلك العلوم، ويأخذ مظهر الاختصار والطرافة وهذا هو منهج (الوصايا الخاصة) .. ومن تلك الوصايا،
[ ١٠ ]
رسالة "أيها الولد" للغزالي، و"لفتة الكبد إلى نصيحة الولد" لابن الجوزي، والوصايا المتعددة الكثيرة التي كتبها ابن تيمية وبعضها كان إجابة لمن سأله أن يوصيه .. كما ذكر تلميذه ومؤرخ حياته الشمس بن عبد الهادي، وعدة صفحات بعضها كراريس، كوصيته لابن المهاجري (^١) فضلا عن الوصايا والعظات التي ترد مسرودة في سير علماء السلف، وتكون وجاها أو مراسلة .. وللأوزاعي الكثير من هذه النمط مما أورده أبو نعيم عند ترجمته له في الحلية (^٢).
هذا وإن كثيرا مما أفرده العلماء من وصايا مختصة قد اندثر، لأنها كانت تأخذ شكل الرسائل الإخوانية فإذا بلغت محلها (وهو الشخص الموصى بها) فإما أن يكتب لها الذيوع لنهوضه بشأنها وتسببه في تداولها، وإما أن توأد
_________________
(١) العقود الدرية من سيرة شيخ الإسلام ابن تيمية، لابن عبد الهادي ٥٧.
(٢) حلية الأولياء، لأبي نعيم ٦/ ١٣٦
[ ١١ ]
عنده وتُقبَر بين أوراقه المتداخلة، وتغيب في (الدشت) الذي لا يخلو منه بيت العالم، ولم يكن من المألوف أن يعني کاتب الوصية بالاحتفاظ منها بنسخة قبل إرسالها، بل ربما حصل ذلك بمبادرة من تلاميذه الذين يسارعون إلى تدوينها قبل أن تأخذ طريقها إلى الموصى بها.
وقد ذكروا في سيرة ابن تيمية (وهو كثير الإسهام في باب الوصايا) أنه كان يسأل عن مسألة، فيكتب جوابها للسائل وهو غريب عن البلد - فإن حضر من يبيضه (ويحتفظ بنسخة منه) وإلا أخذ السائل خطه ورحل (^١) .. وكان هذا آخر العهد بذلك الأثر العلمي الذي قد يفارق صاحبه إلى غير لقاء، إذا لم يتح فيما بعد الاستنساخ عن هذه المخطوطة الوحيدة ليشتهر أمرها ويضوع نشرها بدلا من أن يضيق نفعها أو يضيع أثرها.
_________________
(١) العقود الدرية ٦٥، ثم يقول: فإن وجد من نقله من خطه وإلا لم يشتهر ولم يعرف.
[ ١٢ ]