دلالة عل اختصاص الرب سبحانه بذلك دون كل أحد من خلقه، لأن في أول كل آية منها قوله: (أمْ مَنْ) وفي آخر كل أية منها قوله: (أإله مع الله)، فافهم واعلم، لازلت مُوَفَّقًا.
***
واحذر من الغلو، فإنه شر من التنقص بالصالحين، وكل منهما ضلال مبين، وذلك لأن التنقص عدوان على البشرية، والغلو عدوان على الإلهية. كما أن التعطيل شر من التمثيل، مع أن كلا منهما كفر، فإن التمثيل يتضمن إثبات وجودٍ ناقص، والتعطيل يستلزم العدم، والوجود كيفما كان: خير من العدم بكل حال (^١).
_________________
(١) التعطيل هو: نفي صفات الله تعالى لعدم إدراكها إلا بالمشابهة ففروا منها إلى التعطيل. والتمثيل هو: حمل صفات الله تعالى على الظاهر المعروف للبشر ويسمى أيضا التجسيم والتشبيه. ووراء هذين الاتجاهين المكفرين ثلاث طرائق تتعلق بصفات الله تعالى وهي: - الإثبات وهو القول بمدلول الصفة والحكم بالمراد من اللفظ على وجه يليق بذاته تعالى دون تشبيه ولا تأويل. - التفويض وهو التصديق بالصفة وتفويض المراد بها إلى الله، مع التنزيه عن التشبيه أيضا وعدم تكلف التأويل. - التأويل وهو حمل المراد على ما يليق بذاته تعالى وصفاته دون القطع بأنه مراد الله لعدم الدليل أي حمله على المجاز.
[ ٣١ ]
ولأجل درء موادّ الغلو عن قلوب الأمة قال سيدها وسيد الخلق كلهم -ﷺ-: «لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى بن مريم، وإنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله (^١)»، ولما قال له رجل: ما شاء الله وشئت، قال: «أجعلتني الله ندًّا؟ بل ما شاء الله وحده (^٢)»، وقال: «إني والله لا أعطي أحدًا ولا أمنع أحدًا، وإنما أنا قاسم أضع حيث أمرت (^٣)، ولما خُيِّرَ بين أن يكون نبيًّا
_________________
(١) أخرجه البخاري ٤/ ٢٠٤ بلفظ «كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله».
(٢) أخرجه البيهقي عن ابن عباس (الجامع الكبير ١/ ٢٠).
(٣) أخرجه البخاري في صحيحه (العلم/ ١٣).
[ ٣٢ ]
ملكًا، أو عبدًا رسولًا، نظر إلى جبريل، کالمستشير له، فقال له: يا محمد، تواضع لربك، فقال: «بل عبدًا رسولًا (^١)» والنبي الملك سليمان ﵇، قال الله تعالى له: ﴿هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (^٢) أي أعطِ من شئت وامنع من شئت فإنا لا نحاسبك، والعبد الرسول هو الذي يضع حيث أُمِرَ، كما تقدم من قوله -ﷺ-. وشاهد هذا قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ (^٣)، ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ (^٤)، ﴿قُلْ لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلاَّ مَا شَاء اللّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَاْ إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْم
_________________
(١) أخرجه أحمد والبزار، ورجالهما رجال الصحيح كما قال الهيثمي (مجمع الزوائد ٩/ ٢١).
(٢) سورة ص/ ٣٩.
(٣) سورة القصص/ ٥٦.
(٤) سورة آل عمران/ ١٢٨.
[ ٣٣ ]
يُؤْمِنُونَ﴾ (^١).
***
فإن قلت: فهو -ﷺ- سيد الخلق وأجل الوسائط، وقد أقامه مولاه سبحانه مقام نفسه في مثل قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ (^٢)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ (^٣) فما معنى الواسطة في هذا المقام؟
فأقول لك، مع الاختصار والاقتصار:
اعلم -أيدك الله وإيانا بروح منه- أن هذا الباب يحتاج إلى التفصيل، فإن من أنكر الوسائط بين الله تعالى وبين خلقه مطلقا فقد كفر وجحد حقائق الرسالة، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ
_________________
(١) سورة الأعراف/ ١٨٨.
(٢) سورة الفتح/ ١٠.
(٣) سورة النساء/ ٨٠.
[ ٣٤ ]
فَانتَهُوا﴾ (^١)، ومن أثبتها مطلقة في كل شيء فقد ضل ضلالًا بعيدًا وخسر خسرانًا مبينًا.
أما باب معرفة الحلال والحرام والصلاة والصيام وغير ذلك من واجبات الشريعة ومستحباتها ومحرماتها ومکروهاتها ومباحاتها، وما يتعلق بهذا الباب جميعه فلابد فيه من الواسطة، لأن جبريل حَمَلَ وبلَّغ، والرسول المعصوم أنذر وبشَّر، والصدر الأول حفظ وأوصل، وهلم جرًّا .. فهذا الباب أمره معروف مشهور.
وأما باب خصائص الربوبية، كالخلق والرزق وإجابة الدعاء ونحو ذلك فإنه أمر يتولاه الله تعالى بنفسه، ليس بين المخلوقين وبينه سبحانه فيه مَلَك مقرب ولا نبي مرسل، قال الله تعالى: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ (^٢)، ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ (^٣)، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ (^٤)،
_________________
(١) سورة الحشر/ ٧.
(٢) سورة الأنعام/ ١٠٢.
(٣) سورة فاطر/ ٣.
(٤) سورة الذاريات/ ٥٨.
[ ٣٥ ]
﴿وَمَا مِنْ دَابَّة فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ (^١)، ﴿وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ (^٢). وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِنْ ظَهِير (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ (^٣).
لما كان قوم يدْعون المسيح وقوم يَدْعُون العُزير، وقوم يدْعُون الملائكة -كما ذكر ذلك طائفة من السلف- أنزل الله تعالى قوله: ﴿قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾ (^٤)، أثبت سبحانه أنَّ المدعوِّين صالحون، لأنهم
_________________
(١) سورة هود/ ٦.
(٢) سورة النمل/ ٦٤.
(٣) سورة سبأ/ ٢٢ - ٢٣.
(٤) سورة الإسراء/ ٥٦ - ٥٧.
[ ٣٦ ]
يبتغون إلى ربهم الوسيلة، ويرجون، ويخافون، وبيّن سبحانه أنهم مع ذلك لا يملكون الإجابة لئلا يتوهم المشركون ومن فيهم من أرقائهم (^١) أو رقائقهم أن النهي يقتصر على الأصنام وغيرها من الأوثان، وأن الصالحين يجوز دعاؤهم بظهر الغيب والاستعانة بهم والاتكال عليهم، فإن هذه الأمور من خصائص الربوبية، وقد نهى الله ورسوله عن الشرك ومتعلقاته في مواضع لا تحصى، بل هذا التجريد التوحيد هو قطب دين الإسلام، فاثبت فيه بلا تردد تسعدْ وترشد إن شاء الله تعالى.
وسأذكر لك كلامًا يقرب الأذهان من فهم هذا الشأن:
اعلم -أيدك الله وإيانا- أن المؤمن إذا قام في جوف الليل، حيث هدأت الأصوات ونامت العيون، إلى مناجاة الله ودعائه، فإنه يعتقد أن مولاه سبحانه يسمع السر والنجوى، ويعلم السر وأخفى، وأنه مدبر له، قادر على جميع مراداته، وهو كذلك ﵎. وإذا قام في ليلة
_________________
(١) في الأصل «فيه من دقائقهم».
[ ٣٧ ]
أخرى وقال (مثلا) كما يفعل كثير من الناس: يا سيدي الشيخ، أنا في جنبك، أنا في جوارك، شيء لله، أطلب لي من ربك كذا وكذا، ونحو هذا الكلام الذي جرت به عوائد معظم الناس في هذه الأزمنة المتأخرة، فلولا أنه يعتقد أن الشيخ يسمع ويعلم ويقدر، وأن سِرَّه يطلع على ما هو فيه ولو كانت المسافة المحسوسة بينهما بعيدة، وأن هذا أمر مطلوب له عند النفوس ثمرة نافعة، لولا جزمه بذلك ومثله لكان الخطاب منه على وجه العبث الذي لا يستحسنه عاقل، أو التلاعب في العبادة الذي لا يجوز بحال.
وإذا اعتقد في الشيخ ونحوه أنه يظهر الغيب، [و] يسمع ويعلم، ويقدر ويدبر، فما الذي ترك لربه سبحانه في هذا الباب من خصائص ربوبيته وحقائق إلاهيته؟! لقد ضل من اعتقد هذا وخسر حيث جعل عظمة الوحدانية لآحاد البشر. وأكثر النفوس في مثل هذه الأزمنة لا تتفطن لهذه المصيبة العظيمة، وقد قهرها الغلوّ والعوائد الفاسدة، فإلى الله الشكوى، وهو المستعان، وعليه التكلان، ولا
[ ٣٨ ]
حول ولا قوة إلا بالله.
وقال تعالى في تجريد التوحيد أيضا: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِّعْمَة فَمِنَ اللَّهِ﴾ (^١)، ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللّهِ﴾ (^٢)، ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ (^٣).
فالخليل الأول إبراهيم -ﷺ- قد تقدم ذكر توحيده وتجريده (^٤)، وأما الخليل الأكمل محمد -ﷺ- فإن مقاماته العالية ومواقفه الرفيعة في هذا الباب الأشرف لا تحصى إلا بكلفة. ولنقتصر في هذا الموضع على إيراد مضمون خبر واحد تضمن تحقيق هذا المقام وتكميله، وهو قوله لما تسلل أحد جبابرة الكفار إليه في بعض الغزوات وقت غفلة الصحابة ﵃ وتفرقهم تحت الأشجار لشدة
_________________
(١) سورة النحل/ ٥٣.
(٢) سورة آل عمران/ ١٢٦.
(٣) سورة النمل/ ٦٥.
(٤) انظر ص ٢٩.
[ ٣٩ ]
الحر، وانفراده وحده نائما تحت شجرة. ولما قام الكافر واخترط السيف من قِرابه وقال له بعد أن فتح الرسول عينيه: من يمنعك مني يا محمد؟ قال: «الله» فسقط السيف من يده، ونهض رسول الله -ﷺ- فأخذ السيف بيده وقال له: «من يمنعك مني» فلم يهتد لطريق التوحيد، بل فزع وجزع ثم قال: يا محمد، كن خير آخذ، فقال له: «أسلم تسلم» قال: لا أفارق ديني ولكن أعاهدك أن لا أخرج عليك أبدًا. فأطلقه.
ولما ذهب إلى قومه قال لهم: جئتكم من عند خير الناس، قدر عليَّ فعفا، ولو قدرت عليه ما عفوت عنه (^١).
فأكمل الخلق على الإطلاق محمد ثم إبراهيم، وقد قال تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ (^٢)، وقال تعالى: ﴿دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِين﴾ (^٣)،
_________________
(١) أخرجه البخاري، وأحمد في مسنده (كما في تخريج أحاديث والإحياء رقم ٢٢٦٨).
(٢) سورة الحج/ ٧٨.
(٣) سورة الأنعام/ ١٦١.
[ ٤٠ ]