وهذا مَعْلَم بارز في حياة النبي - ﷺ - والصحابة ومن تبعهم بإحسان، يقول حذيفة ﵁:
«صليت مع النبي - ﷺ - ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت: يركع عند
_________________
(١) "مجلة المجتمع": العدد ٩٩٨.
[ ٣٣ ]
المائة، ثم مضى فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلًا، إذا مرّ بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مّربسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: سبحان ربي العظيم، فكان ركوعه نحوًا من قيامه، ثم قال: سمع الله لمن حمده، ثم قام طويلًا قريبًا مما ركع، ثم سجد فقال: سبحان ربي الأعلى، فكان سجوده قريبًا من قيامه» (١).
وقال ابن مسعود ﵁:
«صليت مع رسول الله - ﷺ - فأطال حتى هممت بأمر سوء، قيل: وما هممت به؟ قال: هممت أن أجلس وأدعه» (٢).
وهذا معاذ بن جبل ﵁ على فراش الموت يذكر أمورًا تدل على همّته في العبادة والزهد، فروي عنه أنه قال:
«اللهم إنك تعلم أني لم أكن أحب البقاء في الدنيا ولا طول المكث فيها لجري الأنهار، ولا لغرس الأشجار، ولكن كنت أحب البقاء لمكابدة الليل الطويل، وظمأ الهواجر في الحر الشديد، ولمزاحمة العلماء بالركب في حلَق الذكر» (٣).
_________________
(١) أخرجه الإمام مسلم ﵀ في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب صلاة النبي - ﷺ - ودعاؤه بالليل.
(٢) المصدر السابق.
(٣) «حلية الأولياء»: ١/ ٢٣٩.
[ ٣٤ ]
هذا وقد كان يعيش في دمشق ولكنه علا بهمته عما فيها من مغريات وجمال.
وهذا الإمام مالك بن أنس ﵀ إمام دار الهجرة قد روى عنه الإمام ابن القاسم (١)
هذه الحادثة:
«كنت آتي مالكًا غلسًا (٢) فأسأله عن مسألتين، ثلاثة، أربعة، وكنت أجد منه انشراح الصدر، فكنت آتي كلّ سحر، فتوسدت مرة في عتبته، فغلبتني عيني فنمت، وخرج مالك إلى المسجد فلم أشعر به، فركضتني سوداء له برجلها وقالت لي: إن مولاك لا يغفل كما تغفل أنت، اليوم له تسع وأربعون سنة ما صلى الصبح إلا بوضوء العَتَمَة (٣)، ظنت السوداء أنه مولاه من كثرة اختلافه إليه» (٤).
وإذا أردت التوسع في أمثلة عبادة السلف وزهدهم فسيطول بي الأمر، وحسبي ما أوردته دليلًا على علو هممهم.
_________________
(١) عالم الديار المصرية ومفتيها، أبو عبد الله عبد الرحمن بن القاسم العُتَقيّ بالولاء، المصريّ، صاحب الإمام مالك. كان ذا مال ودنيا فأنفقها في العلم، وله قدم في الورع والتألّه، ولد سنة ١٣٢ وتوفي سنة ١٩١ رحمه الله تعالى. انظر «سير أعلام النبلاء»: ٩/ ١٢٠ - ١٢٥.
(٢) انظر إلى هذه الهمة العالية إذ يأتيه قبل الفجر، وفي أيامنا قلّ من يجلس مستيقظًا بعد صلاة الفجر إلى أن يصلي ركعتين بعد ارتفاع الشمس قدر رمح، وإذا طلب من أحد الدرس بعد الفجر يعتذر بأنه موعد غير مناسب، وهذا حتى في أيام الإجازات التي ليس فيها عمل صباحيّ مبكر يحتاج إلى راحة.
(٣) أي العشاء.
(٤) «ترتيب المدارك»: ٣/ ٢٥٠.
[ ٣٥ ]