الحمد لله رب العالمين، الذي خلق الخلق واصطفى منهم المؤمنين، ودلّهم على ما
فيه سعادتهم بقوله:
(خذوا مآ ءاتيناكم بقوة وآذكروا ما فيه لعلكم تتقون) (١)
والصلاة والسلام على خير خلق الله أجمعين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه
أجمعين، الذين أضاؤوا بهمتهم العالمين.
أما بعد:
خلق الله ﷾ الخلق وقدّر فهدى، فكان من تقديره تعالى أن قَسَم لهم
حظوظهم من الدين والعقل والغنى والجمال، وكان مما قسمه الله سبحانه وقدره
على كل إنسان - أيضًا - حظُّه من الهمّة والإرادة.
والبشر يتفاوتون تفاوتًا عظيمًا في هذا الأمر، فمنهم من تعلو
_________________
(١) الأعراف: ١٧١
[ ٩ ]
به همته حتى يكاد يبلغ حدود الكمال، ومنهم من تسفل به همته حتى يصبح حاله أسوأ من
الدواب، وبين ذلك من المراتب ما لا يدخل تحت الحصر، وما لا يعلمه إلا
الله تعالى.
وإذا تقرر ذلك فاعلم أن أمر الهمّة عظيم، وشأنها خطير، يجدر بالإنسان المسلم
أن يفهمه ويعتني به، ويحدث به نفسه دائمًا عسى أن يكون من أهل الهمّة العالية
فيفوز فوزًا عظيمًا.
وفي هذه الوريقات - التي أسأل الله تعالى أن يباركَ فيها ويضع لها القَبول-
مباحثُ لا تخلو من جدَّة، توضح معنى الهمّة وكيفية تحصيلها وتطويرها إلى غير
ذلك من المعاني المهمة، والمطالب التي تعلو بصاحبها إلى القمة.
ولا يستصغرنّ إنسان شأن الهمّة فيسأل مستنكرًا: هل هذا الموضوع يستحق
أن يفرد له بحثٌ، وأن توضع له قواعد ومحاذير؟!
نعم والله الذي لا إله إلا هو، إن للهمة لشأنًا عظيمًا وتأثيرًا كبيرًا على
حياة صاحبها سواء أكان في سن الشباب أم تعداه، ممن يطلب الدنيا أم من
طلاب الآخرة، فهي أساس حياة الإنسان، والقطب الجاذب له إلى العزة أو
الهوان.
ولا يُستغرب - أيضًا - إيرادُ هذا المبحث وُيقال: إن الكتب التي دلت على
أهمية الوقت ودلَّلت على قيمته يستغنى بها عن
[ ١٠ ]
هذا المبحث، إذ الوقت يستثمره حق الاستثمار من علت همته، وعرف كيف يستفيد بها ومنها، وكتب الاستفادة
من الوقت ومعرفة قيمته أمر آخر غير مباحث الهمّة كما سيرى القارىء،
إن شاء الله تعالى.
وإن مما دعاني لتأليف هذا المبحث ندرة من تكلم فيه وأوضحه، ولم أرَ فيه مصنفًا مستقلًا، ولا أزعم أني أعطيته حقّه، ولكني حاولت دخول هذا المضمار والتطفُّل على هذا الشأن، والله المسؤول بالإتمام وعليه التكلان.
[ ١١ ]