(السادسة والثلاثون) أن الذكر نور للذاكر في الدنيا، ونور له في قبره، ونور له في معاده يسعى بين يديه على الصراط، فما استنارت القلوب والقبور بمثل ذكر الله تعالى، قال الله تعالى: ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ فالأول هو المؤمن استنار بالايمان بالله ومحبته ومعرفته وذكره، والآخر هو الغافل عن الله تعالى المعرض عن ذكره ومحبته، والشأن كل الشأن والفلاح كل الفلاح في النور، والشقاء كل الشقاء في فواته.
ولهذا كان النبي ﷺ يبالغ في سؤال ربه ﵎ حين يسأله أن يجعله في لحمه وعظامه وعصبه وشعره وبشره وسمعه وبصره ومن فوقه ومن تحته وعن يمينه وعن شماله وخلفه وأمامه، حتى يقول واجعلني نورًا فسأل ربه ﵎ أن يجعل النور في ذراته الظاهرة والباطنة، وأن يجعله محيطًا به من جميع جهاته، وأن يجعل ذاته وجملته نورًا، فدين الله ﷿ نور، وكتابه نور، ورسوله نور، وداره التي أعدها لأوليائه نور يتلألأ، وهو ﵎ نور السماوات والأرض، ومن أسمائه النور، وأشرقت الظلمات لنور وجهه.
وفي دعاء النبي ﷺ يوم الطائف «أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة أن يحل علي غضبك، أو ينزل بي سخطك.
لك
[ ٥٠ ]
العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك» وقال أبن مسعود ﵁: ليس عند ربكم ليل ولا نهار، نور السماوات من نور وجهه.
ذكره عثمان الدارمي وقد قال تعالى: ﴿وأشرقت الأرض بنور ربها﴾ فإذا جاء ﵎ يوم القيامة للفصل بين عباده وأشرقت بنوره الأرض، وليس إشراقها يومئذ بشمس ولا قمر، فإن الشمس تكور والقمر يخسف ويذهب نورهما، وحجابه ﵎ النور.
قال أبو موسى: قام فينا رسول الله ﷺ بخمس كلمات فقال «إن الله لا ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه، عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه» ثم قرأ ﴿أن بورك من في النار ومن حولها﴾ .
فاستنارة ذلك الحجاب بنور وجهه ولولاه لاحرقت سبحات وجهه ونوره ما انتهى إليه بصره.
ولهذا لما تجلى ﵎ للجبل وكشف من الحجاب شيئًا يسيرًا ساخ الجبل في الأرض وتدكدك ولم يقم لربه ﵎.
وهذا معنى قول أبن عباس في قوله ﷾: ﴿لا تدركه الأبصار﴾: قال: ذلك الله ﷿، إذا تجلى بنوره لم يقم له شيء.
وهذا من بديع فهمه رضي الله تعالى عنه ودقيق فطنته، كيف وقد دعا له رسول الله ﷺ أن يعلمه الله التأويل، فالرب ﵎ يرى يوم القيامة بالأبصار عيانًا، ولكن يستحيل إدراك الأبصار له، وأن رأته فالادراك أمر وراء الرؤية، وهذه الشمس - ولله المثل الأعلى - نراها ولا ندركها كما هي عليه ولا قريبًا من ذلك، ولذلك قال ابن عباس لمن سأله
[ ٥١ ]
وأورد عليه ﴿لا تدركه الأبصار﴾ فقال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى.
قال: أفتدركها؟ قال: لا.
قال: فالله تعالى أعظم وأجل.
وقد ضرب ﷾ النور في قلب عبده مثلًا لا يعقله إلا العالمون فقال ﷾: ﴿الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم﴾ قال أبي بن كعب: مثل نوره في قلب المسلم.
وهذا هو النور الذي أودعه في قلبه من معرفته ومحبته والايمان به وذكره، وهو نوره الذي أنزله إليهم فأحياهم به وجعلهم يمشون به بين الناس، وأصله في قلوبهم ثم تقوى مادته فتتزايد حتى يظهر على وجوههم وجوارحهم وأبدانهم، بل ثيابهم ودورهم، يبصره من هو من جنسهم وسائر الخلق له منكر.
فإذا كان يوم القيامة برز ذلك النور وصار بإيمانهم يسعى بين أيديهم في ظلمة الجسر حتى يقطعوه، وهم فيه على حسب قوته وضعفه في قلوبهم في الدنيا، فمنهم من نوره كالشمس وآخر كالقمر وآخر كالنجوم وآخر كالسراج وآخر يعطي نورًا على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفأ أخرى إذا كانت هذه حال نوره في الدنيا فأعطى على الجسر بمقدار ذلك، بل هو نفس نوره ظهر له عيانًا، ولما لم يكن للمنافق نور ثابت في الدنيا بل كان نوره ظاهرًا لا باطنًا أعطى نورًا ظاهرًا مآله إلى الظلمة والذهاب.
وضرب الله ﷿ لهذا النور ومحله وحامله ومادته مثلًا بالمشكاة وهي الكوة في الحائط فهي مثل الصدر، وفي تلك المشكاة زجاجة من أصفى الزجاج وحتى شبهت بالكوكب الدري في بياضه وصفائه وهي مثل القلب، وشبه بالزجاجة لأنها جمعت أوصافًا هي في قلب المؤمن وهي الصفاء والرقة، فيرى الحق والهدى بصفائه، وتحصل منه الرأفة والرحمة والشفقة برقته، ويجاهد أعداء الله تعالى ويغلظ عليهم ويشتد في الحق ويصلب فيه بصلابته، ولا تبطل صفة منه صفة أخرى ولا تعارضها، بل تساعدها وتعاضدها، ﴿أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾
[ ٥٢ ]
وقال تعالى: ﴿فبما رحمة من الله لنت لهم، ولو كنت فظًا غليظ القلب لانفضوا من حولك﴾ وقال تعالى: ﴿يا أيها النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ عليهم﴾ وفي اثر القلوب آنية الله تعالى في أرضه، فأحبها إليه وأرقها وأصلبها وأصفاها وبازاء هذا القلب قلبان مذمومان في طرفي نقيض:
أحدهما: قلب حجري قاس لا رحمة فيه ولا إحسان ولا بر، ولا له صفاء يرى به الحق، بل هو جبار جاهل: لا علم له بالحق، ولا رحمة للخلق.
وبإزائه قلب ضعيف مائي لا قوة فيه ولا استمساك، بل يقبل كل صورة، وليس له قوة حفظ تلك الصور ولا قوة التأثير في غيره، وكل ما خالطه أثر فيه من قوي وضعيف، وطيب خبيث.
وفي الزجاجة مصباح، وهو النور الذي في الفتيلة، وهي حاملته.
ولذلك النور مادة، وهو زيت قد عصر من زيتونة في أعدل الأماكن تصيبها الشمس أول النهار وآخره، فزيتها من أصفى الزيت وأبعده من الكدر، حتى إنه ليكاد من صفائه يضيء بلا نار، فهذه مادة نور المصباح.
وكذلك مادة نور المصباح الذي في قلب المؤمن هو من شجرة الوحي التي هي أعظم الأشياء بركة وأبعدها من الانحراف، بل هي أوسط الأمور وأعدلها وأفضلها، لم تنحرف انحراف النصرانية ولا انحراف اليهودية، بل هي وسط بين الطرفين المذمومين في كل شيء، فهذه مادة مصباح الإيمان في قلب المؤمن.
ولما كان ذلك الزيت قد اشتد صفاؤه حتى كاد أن يضيء بنفسه، ثم خالط النار فاشتدت بها اضاءته وقويت مادة ضوء النار به، كان ذلك نورًا على نور.
وهكذا المؤمن قلبه مضيئ يكاد يعرف الحق بفطرته وعقله ولكن لا مادة له من نفسه، فجاءت مادة الوحي فباشرت قلبه وخالطت بشاشته فازداد نورًا بالوحي على نوره الذي فطره الله تعالى عليه، فاجتمع له نور الوحي إلى نور الفطرة، نور على نور، فيكاد ينطق بالحق وإن لم يسمع فيه أثر، ثم يسمع الأثر مطابقًا لما شهدت به فطرته فيكون نورًا على نور، فهذا شأن المؤمن يدرك الحق بفطرته مجملًا ثم يسمع الأثر جاء به مفصلًا، فينشأ إيمانه عن شهادة الوحي والفطرة.
فليتأمل اللبيب هذه الآية العظيمة، ومطابقتها لهذه المعاني الشريفة.
فذكر ﷾ نوره في السموات والأرض، ونوره في قلوب عباده المؤمنين، النور المعقول المشهود بالبصائر والقلوب، والنور المحسوس المشهود بالأبصار الذي استنارت به أقطار العالم العلوي والسفلي، فهما نوران عظيمان أحدهما أعظم من الآخر، وكما أنه إذا فقد أحدهما من مكان أو موضع لم يعش فيه آدمي ولا غيره، لأن الحيوان إنما يتكون حيث النور، ومواضع الظلمة التي لا يشرق عليها نور لا
[ ٥٣ ]
يعيش فيها حيوان ولا يتكون البته، فكذلك أمة فقد فيها نور الوحي والإيمان ميتة وقلب فقد منه هذا النور ميت ولا بد، لا حياة له البتة، كما لا حياة للحيوان في مكان لا نور فيه.
والله ﷾ يقرن بين الحياة والنور كما في قوله ﷿ ﴿أو من كان ميتًا فأحييناه وجعلنا له نورًا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها﴾ وكذلك قوله ﷿ ﴿وكذلك أوحينا إليك روحًا من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان، ولكن جعلناه نورًا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾ وقد قيل إن الضمير في (جعلناه) عائد إلى الأمر، وقيل إلى الكتاب، وقيل إلى الإيمان، والصواب أنه عائد إلى الروح أي جعلنا ذلك الروح الذي أوحيناه إليك نورًا، فسماه روحًا لما يحصل به من الحياة، وجعله نورًا لما يحصل به الاشراق والاضاءة، وهما متلازمان فحيث وجدت هذه الحياة بهذا الروح وجدت الاضاءة والاستنارة، وحيث وجدت الاستنارة والاضاءة وجدت الحياة، فمن لم يقبل هذا الروح فهو ميت مظلم كما أن المائي، والناري.
لما يحصل بالماء من الحياة وبالنار من الاشراق والنور، كما ضرب ذلك في أول سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون﴾ وقال: ﴿ذهب الله بنورهم﴾ ولم يقل بنارهم لأن النار فيها الاحراق.
وكذلك حال المنافقين: ذهب نور إيمانهم بالنفاق، وبقي في قلوبهم حرارة الكفر والشكوك والشبهات تغلي في قلوبهم، قلوبهم قد صليت بحرها وأذاها وسمومها ووهجها في الدنيا فأصلاها الله تعالى إياها يوم القيامة نارًا موقدة تطلع على الأفئدة.
فهذا مثل من لم يصحبه نور الإيمان في الدنيا بل خرج منه وفارقه بعد أن استضاء به.
وهو حال المنافق عرف ثم أنكر، وأقر ثم جحد، فهو في ظلمات أصم أبكم أعمى كما قال تعالى في حق إخوانهم من الكفار ﴿والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات﴾
[ ٥٤ ]
وقال تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾ وشبه تعالى حال المنافقين في خروجهم من النور بعد أن أضاء لهم بحال مستوقد النار وذهاب نورها عنه بعد أن أضاءت ما حوله، لأن المنافقين بمخالطتهم المسلمين وصلاتهم معهم وصيامهم معهم وسماعهم القرآن ومشاهدتهم أعلام الإسلام ومناره قد شاهدوا الضوء ورأوا النور عيانًا، ولهذا قال تعالى في حقهم ﴿فهم لا يرجعون﴾ إليه، لأنهم فارقوا الإسلام بعد أن تلبسوا به واستناروا فهم لا يرجعون إليه.
وقال تعالى في حق الكفار ﴿فهم لا يعقلون﴾ لأنهم لا يعقلوا الإسلام ولا دخلوا فيه ولا استناروا به ولا يزالون في ظلمات الكفر، صم بكم عمي، سبحان من جعل كلامه لأدواء الصدور شافيًا، وإلى الإيمان وحقائقه مناديًا، وإلى الحياة الأبدية والنعيم المقيم داعيًا، وإلى الطريق الرشاد هاديًا.
لقد أسمع منادي الإيمان لو صادف آذانًا واعية، وشفت مواعظ القرآن لو وافقت قلوبًا خالية، ولكن عصفت على القلوب أهوية الشبهات والشهوات فأطفأت مصابيحها، وتمكنت منها أيدي الغفلة والجهالة فأغلقت أبواب رشدها وأضاعت مفاتيحها، وران عليها كسبها فلم ينفع فيها الكلام، وسكرت بشهوات الغي وشهادة الباطل فلم تصغ بعده إلى الملام، ووعظت بمواعظ أنكى فيها الأسنة والسهام، ولكن ماتت في بحر الجهل والغفلة وأسر الهوى والشهوة، وما لجرح بميت إيلام.
والمثل الثاني قوله تعالى: ﴿أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله محيط بالكافرين﴾ الصيب المطر الذي يصوب من السماء أي ينزل منها بسرعة وهو مثل القرآن الذي به حياة القلوب كالمطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، فأدرك المؤمنين ذلك منه، وعلموا ما يحصل به من الحياة التي لا تخطر لها، فلم يمنعهم منها ما فيه من الرعد والبرق وهو الوعيد والتهديد والعقوبات والمثلات التي حذر الله بها من خالف أمره، وأخبر أنه منزلها بمن كذب رسول الله ﷺ، أو ما فيه من الأوامر الشديدة كجهاد الأعداء والصبر على الأمر أو الأوامر الشاقة على النفوس التي هي بخلاف إرادتها فهي كالظلمات والرعد والبرق، ولكن من علم مواقع الغيث وما يحصل به من الحياة لم يستوحش لما معه من الظلمة والرعد والبرق، بل يستأنس لذلك ويفرح به لما يرجو من الحياة والخصب.
وأما المنافق فإنه عمي قلبه لم يجاوز بصره الظلمة ولم ير إلا
[ ٥٥ ]
برقًا يكاد يخطف البصر، ورعدًا عظيمًا وظلمة، فاستوحش من ذلك وخاف منه، فوضع أصابعه في أذنيه لئلا يسمع صوت الرعد، وهاله ذلك البرق وشدة لمعانه وعظم نوره فهو خائف أن يختطف معه بصره، لأن بصره أضعف من أن يثبت معه، فهو في ظلمة يسمع أصوات الرعد القاصف، ويرى ذلك البرق الخاطف، فإن أضاء له ما بين يديه مشى في ضوئه، وأن فقد الضوء قام متحيرًا لا يدري أين يذهب، ولجهله لا يعلم أن ذلك من لوازم الصيب الذي به حياة الأرض والنبات وحياته هو في نفسه، بل لا يدرك إلا رعدًا وبرقًا وظلمة ولا شعور له بما وراء ذلك، فالوحشة لازمة له، والرعب والفزع لا يفارقه، وأما من أنس بالصيد وعلم أنه لا بد فيه من رعد وبرق وظلمة بسبب الغيم، أستأنس بذلك ولم يستوحش منه، ولم يقطعه ذلك عن أخذه بنصيبه من الصيب.
فهذا مثل مطابق للصيب الذي نزل به جبريل ﷺ من عند رب العالمين ﵎ على قلب رسول الله ﷺ ليحيي به القلوب والوجود أجمع، اقتضت حكمته أن يقارنه من الغيم والرعد والبرق ما يقارن الصيب من الماء، حكم بالغة وأسبابًا منتظمة نظمها العزيز الحكيم.
فكان حظ المنافق من ذلك الصيب سحابه ورعوده وبروقه فقط، لم يعلم ما وراءه فاستوحش بما أنس المؤمنين، وارتاب بما اطمأن به العالمون، وشك فيما يتقيه المبصرون العارفون، فبصره في المثل الناري كبصر الخفاش نحو الظهيرة، وسمعه في المثل المائي كسمع من يموت من صوت الرعد، وقد ذكر عن بعض الحيوانات أنها تموت من سمع الرعد.
وإذا صادف هذه العقول والأسماع والأبصار شبهات شيطانية، وخيالات فاسدة، وظنون كاذبة، حالت فيها وصالت، وقامت بها وقعدت، واتسع فيها مجالها، وكثر بها قيلها وقالها، فملأت الأسماع من هذيانها، والأرض من دواوينها، وما أكثر المستجيبين لهؤلاء والقابلين منهم والقائمين بدعوتهم والمحامين عن حوزتهم والمقاتلين تحت ألويتهم والمكثرين لسوادهم.
ولعموم البلية هم وضرر القلوب بكلامهم هتك الله أستارهم في كتابه غاية الهتك وكشف أسرارهم غاية الكشف، وبين علاماتهم وأعمالهم وأقوالهم، ولم يزل ﷿ يقول: (ومنهم.. ومنهم.. ومنهم) حتى انكشف أمرهم، وبانت حقائقهم وظهرت أسرارهم.
وقد ذكر الله ﷾ في أول سورة البقرة أوصاف المؤمنين والكفار والمنافقين، فذكر في أوصاف المؤمنين ثلاث آيات، وفي أوصاف الكفار آيتين، وفي أوصاف هؤلاء بضع عشرة
[ ٥٦ ]
آية، لعموم الابتلاء بهم وشدة المصيبة بمخالطتهم، فإنهم من الجلدة، مظهرون الموافقة والمناصرة، بخلاف الكافر الذي قد تأبد بالعداوة وأظهر السريرة ودعا لك بما أظهره إلى مزايلته ومفارقته.
ونظير هذين المثلين المذكورين في سورة الرعد في قوله تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدًا رابيًا﴾ فهذا هو المثل المائي شبه الوحي الذي أنزله بحياة القلوب بالماء الذي أنزله من السماء، وشبه القلوب الحاملة له بالأودية الحاملة للسيل، فقلب كبير يسع علمًا عظيمًا كواد كبير يسع ماء كثيرًا، وقلب صغير كواد صغير يسع علمًا قليلًا، فحملت القلوب من هذا العلم بقدرها، كما سالت الأودية بقدرها.
ولما كانت الأودية ومجاري السيول فيها الغثاء ونحوه مما يمر عليه السيل فيحتمله السيل فيطفوا على وجه الماء زبدًا عاليًا، يمر عليه متراكبًا، ولكن تحته الماء الفرات الذي به حياة الأرض، فيقذف الوادي ذلك الغثاء إلى جنبتيه حتى لا يبقى الماء الذي تحت الغثاء يسقي الله تعالى به الأرض فيحيي به البلاد والعباد والشجر والدواب، والغثاء يذهب جفاء يجفي ويطرح على شفير الوادي.
فكذلك العلم والإيمان الذي أنزله في القلوب فاحتملته فأثار منها بسبب مخالطته لها ما فيها من غثاء الشهوات وزبد الشبهات الباطلة يطفو في أعلاها، واستقر العلم والإيمان والهدى في جذر القلب فلا يزال ذلك الغثاء والزبد يذهب جفاء ويزول شيئًا فشيئًا حتى يزول كله، ويبقى العلم النافع والإيمان الخالص في جذر القلب يرده الناس فيشربون ويسقون ويمرعون.
وفي الصحيح من الحديث أبي موسى عن النبي ﷺ قال «مثل ما بعثني الله تعالى به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا فكان منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكان منها طائفة أجادب أمسكت الماء فسقى الناس وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ فذلك مثل من فقه دين الله تعالى ونفعه ما بعثني الله به فعلم وعلم.
ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدي الله الذي أرسلت به»
[ ٥٧ ]
فجعل النبي ﷺ الناس بالنسبة إلى الهدي والعلم ثلاث طبقات.
(الطبقة الأولى) ورثة الرسل وخلفاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهم الذين قاموا بالدين علمًا وعملًا ودعوة إلى الله ﷿ ورسوله ﷺ فهؤلاء أتباع الرسل - صلوات الله عليهم وسلامه - حقًا، وهم بمنزلة الطائفة الطيبة من الأرض التي زكت فقبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، فزكت في نفسها وزكا الناس بها.
وهؤلاء هم الذين جمعوا بين البصيرة في الدين والقوة على الدعوة ولذلك كانوا ورثة الأنبياء صلى الله عليهم وسلم الذين قال تعالى فيهم ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار﴾، [أي] البصائر في دين الله ﷿، فبالبصائر يدرك الحق ويعرف، وبالقوى يتمكن من تبليغه وتنفيذه والدعوة إليه، فهذه الطبقة كان لها قوة الحفظ والفهم في الدين والبصر بالتأويل، ففجرت من النصوص أنهار العلوم واستنبطت منها كنوزها ورزقت فيها فهمًا خاصًا، كما قال أمير المؤمنين على أبن أبي طالب - وقد سئل: هل خصكم رسول الله ﷺ بشيء دون الناس؟ فقال: - لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه.
فهذا الفهم هو بمنزلة الكلأ والعشب الكثير الذي أنبتته الأرض، وهو الذي تميزت به هذه الطبقة عن.
(الطبقة الثانية) فإنها حفظت النصوص وكان همها حفظها وضبطها، فوردها الناس وتلقوها منهم، فاستنبطوا منها واستخرجوا كنوزها واتجروا فيها وبذروها في أرض قابلة للزرع والنبات ووردها كل بحسبه ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾ وهؤلاء هم الذين قال فيهم النبي ﷺ «نضر الله امرءًا سمع مقالتي فوعاها، ثم أداها كما سمعها، فرب حامل فقه غير فقيه، ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» وهذا عبد الله بن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن مقدار ما سمع من النبي ﷺ لم يبلغ نحو العشرين حديثًا الذي يقول فيه سمعت، ورأيت وسمع الكثير من الصحابة وبورك في فهمه والاستباط منه حتى ملأ الدنيا علمًا وفقهًا.
[ ٥٨ ]
قال أبو محمد بن حزم: وجمعت فتاويه في سبعة أسفار كبار.
وهي بحسب ما بلغ جامعها، وإلا فعلم أبن عباس كالبحر، وفقه واستنباطه وفهمه في القرآن بالموضع الذي فاق به الناس.
وقد سمع كما سمعوا، وحفظ القرآن كما حفظوا ولكن أرضه كانت من أطيب الأراضي وأقبلها للزرع فبذر فيها النصوص فأنبتت من كل زوج كريم ﴿ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم﴾ وأين تقع فتاوى أبن عباس وتفسيره واستنباطه من فتاوى أبي هريرة وتفسيره؟ وأبو هريرة أحفظ منه بل هو حافظ الأمة على الإطلاق، يؤدي الحديث كما سمعه، ويدرسه بالليل درسًا فكانت همته مصروفة إلى الحفظ وبلغ ما حفظه كما سمعه، وهمة ابن عباس مصروفة إلى التفقه والاستنباط، وتفجير النصوص، وشق الأنهار منها، واستخراج كنوزها.
وهكذا الناس بعده قسمان.
(قسم حفاظ) معتنون بالضبط والحفظ والأداء كما سمعوا.
ولا يستنبطون ولا يستخرجون كنوز ما حفظوه.
وقسم معتنون بالاستنباط واستخراج الأحكام من النصوص، والتفقه فيها.
فالأول كأبي زرعة وأبي حاتم وابن دارة.
وقبلهم كبندار ومحمد بن بشار وعمرو الناقد وعبد الرزاق، وقبلهم كمحمد بن جعفر غندر وسعيد بن أبي عروية وغيرهم من أهل الحفظ والاتقان والضبط لما سمعوه، من غير استنباط وتصرف وأستخراج الأحكام من ألفاظ النصوص.
(والقسم الثاني) كمالك والشافعي والاوزاعي وإسحق والإمام أحمد بن حنبل والبخاري وأبي داود ومحمد بن نصر المروزي - وأمثالهم ممن جمع الاستنباط والفقه إلى الرواية - فهاتان الطائفتان هما أسعد الخلق بما بعث الله تعالى به رسوله ﷺ وهم الذين قبلوه ورفعوا به رأسًا.
وأما (الطائفة الثالثة) - وهم أشقى الخلق الذين لم يقبلوا هدي الله ولم يرفعوا به رأسًا - فلا حفظ ولا فهم ولا رواية ولا دراية ولا رعاية.
(فالطبقة الأولى) أهل رواية ودارية.
(والطبقة الثانية) أهل رواية ورعاية ولهم نصيب من الدراية، بل حظهم من الرواية أوفر.
[ ٥٩ ]
(والطبقة الثالثة) الأشقياء لا رواية ولا دراية ولا رعاية ﴿إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلًا﴾، فهم الذين يضيقون الديار، ويغلون الأسعار، إن همة أحدهم إلا بطنه وفرجه، فإن ترقت همته كان همه - مع ذلك - لباسه وزينته، فإن ترقت همته فوق ذلك كان همه في الرياسة والانتصار للنفس الغضبية، فإن ارتفعت همته عن نصرة النفس [الغضبية كان همه في نصرة النفس] الكلبية فلم يعطها، إلى نصرة النفس السبعية فلم يعطها أحد من هؤلاء فإن النفوس كلبية وسبعية وملكية.
فالكلبية تقنع بالعظم والكسرة والجيفة والقذرة، والسبعية لا تقنع بذلك بل بقهر النفوس، تريد الاستيلاء عليها بالحق والباطل.
وأما الملكية فقد ارتفعت عن ذلك وشمرت إلى الرفيق الأعلى، فهمتها العلم والإيمان ومحبة الله تعالى والإنابة إليه وإيثار محبته ومرضاته، وإنما تأخذ من الدنيا ما تأخذ من لتستعين به على الوصول إلى فاطرها وربها ووليها، لا لتنقطع به عنه.
ثم ضرب ﷾ مثلًا ثانيًا وهو المثل الناري فقال: ﴿ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله﴾ وهذا كالحديد والنحاس والفضة والذهب وغيرها، فإنها تدخل الكير لتمحص وتخلص من الخبث، فيخرج خبثها فيرمى به ويطرح، ويبقى خالصها فهو الذي ينفع الناس.
ولما ضرب الله ﷾ هذين المثلين ذكر حكم من استجاب له ورفع بهداه رأسًا، وحكم من لم يستجب له ولم يرفع بهداه رأسًا، فقال: ﴿للذين استجابوا لربهم الحسنى والذين لم يستجيبوا له لو أن لهم ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به أولئك لهم سوء الحساب ومأواهم جهنم وبئس المهاد﴾ والمقصود أن الله تعالى جعل الحياة حيث النور، والموت حيث الظلمة، فحياة الوجودين الروحي والجسمي بالنور، وهو مادة الحياة كما أنه مادة الإضاءة، فلا حياة بدونه كما لا إضاءة بدونه، وكما به حياة القلب فيه انفساحه وانشراحه وسعته، كما في الترمذي «عن النبي ﷺ إذا دخل النور القلب انفسح وانشرح قالوا: وما علامة ذلك؟ قال الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل نزوله» .
ونور العبد هو الذي يصعد عمله وكلمه إلى الله تعالى، فإن الله تعالى لا يصعد إليه من الكلم إلا الطيب، وهو نور ومصدر عن النور.
ولا من
[ ٦٠ ]
العمل إلا الصالح، ولا من الارواح إلا الطيبة وهي أرواح المؤمنين التي استنارت بالنور الذي أنزله على رسوله ﷺ والملائكة الذين خلقوا من نور، كما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ «وعن النبي ﷺ قال خلقت الملائكة من نور، وخلقت الشياطين من نار، وخلق آدم مما وصف لكم» فلما كانت مادة الملائكة من نور كانوا هم الذين يعرجون إلى ربهم ﵎ وكذلك أرواح المؤمنين هي التي تعرج إلى ربها وقت قبض الملائكة لها، فيفتح لها باب السماء الدنيا ثم الثانية ثم الثالثة ثم الرابعة إلى أن ينتهي بها إلى السماء السابعة، فتوقف بين يدي الله ﷿، ثم يأمر أن يكتب كتابه في أهل عليين، فلما كانت هذه الروح روحًا زاكية طيبة نيرة مشرقة صعدت إلى الله ﷿ مع الملائكة.
وأما الروح المظلمة الخبيثة الكدرة فإنها لا تفتح لها أبواب السماء ولا تصعد إلى الله تعالى، بل ترد من السماء الدنيا إلى عالمها ومحتدها، لأنها أرضية سفلية، والأولى علوية سمائية، فرجعت كل روح إلى عنصرها وما هي منه، وهذا منه مبين في حديث البراء بن عازب الطويل الذي رواه الامام أحمد وأبو عوانة الاسفرائيني في صحيحه والحاكم وغيرهم، وهو حديث صحيح.
والمقصود أن الله ﷿ لا يصعد إليه من الأعمال والأقوال والأرواح إلا ما كان منها نورًا أقربهم إليه وأكرمهم عليه.
وفي المسند من حديث عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ «أن الله تعالى خلق خلقه في ظلمة، وألقى عليهم من نوره، فمن أصاب من ذلك النور اهتدى، ومن أخطأه ضل.
فلذلك أقوال: جف القلم على علم الله تعالى» وهذا الحديث العظيم أصل من أصول الإيمان، وينفتح به باب عظيم من أبواب سر القدر وحكمته، والله تعالى الموفق.
وهذا النور الذي ألقاه عليهم ﷾ هو الذي أحياهم وهداهم، فأصابت الفطرة منه حظها.
ولكن لما لم يستقل بتمامه وكماله أكمله لهم وأتمه بالروح الذي ألقاه على رسله عليهم الصلاة والسلام والنور الذي أوحاه إليهم، فأدركته الفطرة بذلك النور السابق الذي حصل لها يوم إلقاء النور، فانضاف نور الوحي والنبوة إلى نور الفطرة، نور على نور، فأشرقت منه القلوب، واستنارت به الوجوه، وحييت به الأرواح، وأذعنت به الجوارح للطاعات طوعًا واختيارًا، فازدادت به القلوب الصفات العليا الذي يضمحل فيه كل نور سواء، فشاهدته
[ ٦١ ]
ببصائر الإيمان مشاهدة نسبتها إلى القلب نسبة المرئيات إلى العين ذلك لاستيلاء اليقين عليها وانكشاف حقائق الإيمان لها، حتى كأنها تنظر إلى عرش الرحمن ﵎ بارزًا وإلى استوائه عليه كما أخبر به ﷾ في كتابه وكما أخبر به عنه رسوله ﷺ يدبر أمر الممالك ويأمر وينهي، ويخلق ويرزق، ويميت ويحي، ويقضي وينفذ ويعز ويذل ويقلب الليل والنهار، ويداول الأيام بين الناس، ويقلب الدول فيذهب بدولة ويأتي بأخرى، والرسل من الملائكة عليهم الصلاة والسلام بين صاعد إليه بالأمر ونازل من عنده به، وأوامره ومراسيمه متعاقبة على تعاقب الآيات، نافذة بحسب إرادته، فما شاء كما شاء في الوقت الذي يشاء على الوجه الذي يشاء، من غير زيادة ولا نقصان ولا تقدم ولا تأخر، وأمره وسلطانه نافذ في السماوات وأقطارها، وفي الأرض وما عليها وما تحتها، وفي البحار والجو، وفي سائر أجزاء العالم وذراته، يقلبها ويصرفها ويحدث فيها ما يشاء، وقد أحاط بكل شئ علمًا، وأحصى كل شئ عددًا، ووسع كل شئ رحمة وحكمة، ووسع سمعه الأصوات فلا تختلف عليه ولا تشتبه عليه.
بل يسمع ضجيجها باختلاف لغاتها على كثرة حاجاتها، لا يشغله سمع عن سمع ولا تغلطه كثرة المسائل ولا يتبرم بإلحاح ذوي الحاجات، وأحاط بصره بجميع المرئيات فيرى دبيب النملة السوداء على الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فالغيب عنده شهادة والسر عنده علانية، يعلم السر وأخفى من السر، فالسر ما انطوى عليه ضمير العبد وخطر بقلبه ولم تتحرك به شفتاه، وأخفى منه ما لم يخطر بعد فيعلم أنه سيخطر بقلبه كذا وكذا في وقت كذا وكذا، له الخلق والأمر، وله الملك والحمد، وله الدنيا والآخرة، وله النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن، له الملك كله وله الحمد كله وبيده الخير كله وإليه يرجع الأمر كله، شملت قدرته كل شئ ووسعت رحمته كل شئ وسعت نعمته إلى كل حي.
﴿يسأله من في السموات والأرض كل يوم هو في شأن﴾ .
يغفر ذنبًا، ويفرج همًا، ويكشف كربًا، ويجبر كسيرًا، ويغني فقيرًا، ويعلم جاهلًا، ويهدي ضالًا، ويرشد حيران، ويغيث لهفان، ويفك عانيًا، ويشبع جائعًا، ويكسو عاريًا، ويشفي مريضًا، ويعافي مبتل، ويقبل تائبًا، ويجزي محسنًا، وينصر مظلومًا ويقصم جبارًا، ويقيل عثرة، ويستر عورة، ويؤمن روعة، ويرفع أقوامًا ويضع آخرين، لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل النهار وعمل النهار قبل الليل، حجابه النور: لو كشفه لاحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلفه ويمينه ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء
[ ٦٢ ]
الليل والنهار.
أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه.
قلوب العباد وتواصيهم بيده، وأزمة الأمور معقودة بقضائه وقدره.
الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، يقبض سمواته كلها بيده الكريمة والأرض باليد الأخرى، ثم يهزهن، ثم يقول: أنا الملك أنا الملك، أنا الذي بدأت الدنيا ولم تكن شيئًا، وأنا الذي أعيدها كما بدأتها، لا يتعاظمه ذنب أن يغفره، ولا حاجة يسألها أن يعطيها.
لو أن أهل سمواته وأهل أرضه وأول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أتقى قلب رجل منهم ما زاد ذلك في ملكه شيئًا، ولو أن أول خلقه وآخرهم وإنسهم وجنهم كانوا على أفجر قلب رجل منهم ما نقص ذلك من ملكه شيئًا، ولو أن أهل سمواته وأهل أرضه وإنسهم وجنهم وحيهم وميتهم ورطبهم ويابسهم قاموا في صعيد واحد فسألوه فأعطى كلًا منهم ما سأله ما نقص ذلك مما عنده مثقال ذرة، ولو أن أشجار الأرض كلها - من حين وجدت إلى أن تنقضي الدنيا - أقلام، والبحر - وراءه سبعة أبحر تمده من بعده - مداد، فكتب بتلك الأقلام وذلك المداد لفنيت الأقلام ونفد المداد ولم تنقد كلمات الخالق ﵎، وكيف تفنى كلماته ﷿ جلاله وهي لا بداية لها ولا نهاية، والمخلوق له بداية ونهاية فهو أحق بالفناء والنفاد؟ وكيف يفنى المخلوق غير المخلوق؟
هو الأول الذي ليس قبله شئ، والآخر الذي ليس بعده شئ، والظاهر الذي ليس دونه شئ، والباطن الذي ليس دونه شئ، ﵎ أحق من ذكر، وأحق من عبد، وأحق من حمد، وأولى من شكر، وأنصر من ابتغى، وأراف من ملك، وأجود من سئل، وأعفى من قدر، وأكرم من قصد، وأعدل من انتقم.
حلمه بعد علمه، وعفوه بعد قدرته، ومغفرته عن عزته، ومنعه عن حكمته، وموالاته عن إحسانه ورحمته.
ما للعباد عليه حق واجب كلا ولا سعي لديه ضائع
إن عذبوا فبعدله، أو نعموا فبفضله، وهو الكريم الواسع
وهو الملك لا شريك له، والفرد فلا ند له، والغني فلا ظهير له، والصمد فلا ولد له، ولا صاحبة، والعلي فلا شبيه له ولا سمي له، كل شئ هالك إلا وجهه، وكل ملك زائل إلا ملكه، وكل ظل قالص إلا ظله، وكل فضله منقطع إلا فضله.
لن يطاع إلا بإذنه ورحمته، ولن يعصى إلا بعلمه وحمكته.
يطاع بيشكر، ويعصي فيتجاوز ويغفر.
كل نقمه منه عدل، وكل نعمة منه فضل.
أقرب شهيد، وأدنى حفيظ.
حال دون النفوس، وأخذ بالنواصي، وسجل الآثار، وكتب الآجال، فالقلوب له مفضية، والسر عنده علانية، والغيب عنده شهادة.
عطاؤه كلام، وعذابه كلام ﴿إنما أمره إذا أراد
[ ٦٣ ]
شيئًا أن يقول له كن فيكون﴾ .
فإذا أشرقت على القلب أنوار هذه الصفات اضمحل عندها كل نور، ووراء هذا ما لا يخطر بالبال ولا تناله عبارة.
والمقصود أن الذكر ينور القلب والوجه والأعضاء، وهو نور العبد في دنياه وفي البرزخ وفي القيامة.
وعلى حسب نور الإيمان في قلب العبد تخرج أعماله وأقواله ولها نور وبرهان، حتى أن المؤمن من يكون نور أعماله إذا صعدت إلى الله ﵎ كنور الشمس، وهكذا نور روحه إذا قدم بها على الله ﷿، وهكذا يكون نور وجهه في القيامة، والله تعالى المستعان وعليه الاتكال.