أن الذكر رأس الشكر، فما شكر الله تعالى من لم يذكره.
وذكر البيهقي عن زيد بن أسلم أن موسى ﵇ قال: رب قد أنعمت علي كثيرًا، فدلني على أن أشكرك كثيرًا.
قال: اذكرني كثيرًا، فإذا ذكرتني كثيرًا فقد شكرتني كثيرًا، وإذا نسيتني فقد كفرتني.
وقد ذكر البيهقي أيضًا في شعب الإيمان عن عبد الله بن سلام قال: قال موسى ﵇: يا رب، ما الشكر الذي ينبغي لك؟ فأوحى الله تعالى إليه أن لا يزال لسانك رطبًا من ذكري.
قال: يارب إني أكون على حال أجلك أن أذكرك فيها.
قال: وما هي؟ قال: أكون جنبًا أو على الغائط أو إذا بلت.
فقال: وإن كان.
قال: يا رب، فما أقول؟ قال تقول سبحانك وبحمدك وجنبني الأذي، وسبحانك وبحمدك فقني الأذى.
قلت قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يذكر الله تعالى على كل أحيانه.
ولم تستثن حالة من حالة.
وهذا يدل على أنه كان يذكر ربه تعالى في حال طهارته وجنابته، وأما في حال التخلي فلم يكن يشاهده أحد يحكي عنه، ولكن شرع لأمته من الأذكار قبل التخلي وبعده ما يدل على مزيد الأعتناء بالذكر، وأنه لا يخل به عند قضاء الحاجة وبعدها.
وكذلك شرع للأمة من الذكر عند الجماع أن يقول أحدهم «بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان ما رزقتنا» .
وأما عند نفس قضاء الحاجة وجماع الأهل فلا
[ ٦٧ ]
ريب أنه لا يكره بالقلب لأنه لا بد لقلبه من ذكر، ولا يمكنه صرف قلبه عن ذكر من هو أحب إليه، فلو كلف القلب نسيانه لكان تكليفه بالمحال كما قال القائل:
يراد من القلب نسيانكم وتأبى الطباع على الناقل
فأما الذكر باللسان على هذه الحالة فليس مما شرع لنا ولا ندبنا إليه رسول الله ﷺ ولا نقل عن أحد من الصحابة ﵃.
وقال عبد الله بن أبي الهذيل: إن الله تعالى ليحب أن يذكر في السوق، ويحب أن يذكر على كل حال، إلا على الخلاء.
ويكفي في هذه الحال استشعار الحياء والمراقبة والنعمة عليه في هذه الحالة وهي من أجل الذكر، فذكر كل حال بحسب ما يليق بها، واللائق بهذه الحال التقنع بثوب الحياء من الله تعالى وإجلاله وذكر نعمته عليه وإحسانه إليه في إخراج هذا العدو المؤذي له لو بقي فيه لقتله.
فالنعمة في تيسير خروجه كالنعمة في التغذي به.
وكان علي بن أبي طالب إذا خرج من الخلاء مسح بطنه وقال: يالها نعمة، لو يعلم الناس قدرها.
وكان بعض السلف يقول: الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في منفعته وأذهب عني مضرته.
وكذلك ذكره حال الجماع ذكر هذه النعمة التي من بها عليه، وهي أجل نعم الدنيا.
فإذا ذكر نعمة الله تعالى عليه بها هاج من قلبه هائج الشكر، فالذكر رأس الشكر.
وقال النبي ﷺ لمعاذ «والله يا معاذ إني لأحبك، فلا تنس أن تقول دبر كل صلاة: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك» فجمع بين الذكر والشكر كما جمع ﷾ بينهما في قوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم، واشكروا لي ولا تكفرون﴾ فالذكر والشكر جماع السعادة والفلاح.