وقوله ﷺ «وأمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك مثل رجل خرج العدو في أثره سراعًا حتى إذا أتى حصن حصين فأحرز نفسه منهم كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله» فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة لكان حقيقًا بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى وأن لا يزال لهجًا بذكره، فإنه لا يحرز نفسه من عدوه إلا بالذكر، ولا يدخل عليه العدو إلا من باب الغفلة، فهو يرصده فإذا غفل وثب عليه وافترسه.
وإذا
[ ٣٦ ]
ذكر الله تعالى انخنس عدو الله تعالى وتصاغر وانقمع حتى يكون كالوصع وكالذباب، ولهذا سمي الوسواس الخناس أي يوسوس في الصدور، فإذا ذكر الله تعالى خنس أي كف وأنقبض، قال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب أبن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس.
وفي مسند الأمام أحمد عن عبد العزيز بن أبي سلمة الماجشون عن زياد أبن أبي زياد مولى عبد الله بن عباس بن أبي ربيعة أنه بلغه عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ «ما عمل آدمي عملًا قط أنجى له من عذاب الله من ذكر الله ﷿» وقال معاذ: قال رسول الله ﷺ «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والفضة ومن أن تلقوا عدوكم فتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم؟ قالوا: بلى يا رسول الله.
قال ذكر الله ﷿» وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «ما من يقومون من مجلس لا يذكرون الله تعالى فيه إلا قاموا عن مثل جيفة حمار وكان عليهم حسرة» وفي رواية الترمذي «ما جلس قوم مجلسًا لم يذكروا الله فيه ولم يصلوا على نبيهم إلا كان عليهم ترة، فإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم» .
[ ٣٧ ]
وفي صحيح مسلم عن الأغر أبي مسلم قال: أشهد على أبي هريرة وأبي سعيد أنهما شهدا على رسول الله ﷺ أنه قال «لا يقعد قوم يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده» وفي الترمذي عن عبد الله بن بشر أن رجلًا قال: يا رسول الله، إن أبواب الخير كثيرة ولا أستطيع القيام بكلها، فأخبرني بما شئت أتشبث به ولا تكثر علي فأنسى.
وفي رواية: أن شرائع الإسلام قد كثرت علي، وأنا كبرت، فأخبرني بشئ أتشبث به.
قال «لا يزال لسانك رطبًا بذكر الله تعالى» وفي الترمذي أيضًا «عن أبي سعيد أن رسول الله ﷺ سئل: أي العباد أفضل وأرفع درجة عند الله يوم القيامة؟ قال الذاكرون الله كثيرًا قيل: يا رسول الله، ومن الغازي في سبل الله؟ قال لو ضرب بسيفه في الكفار والمشركين حتى يتكسر ويختصب دمًا كان الذاكر لله تعالى أفضل منه درجة» .
وفي صحيح البخاري عن أبي موسى عن النبي ﷺ قال «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت» وفي الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي شبرًا تقربت إليه ذرعًا، وإن تقرب إلي ذرعًا تقربت منه باعًا، وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة»
[ ٣٨ ]
وفي الترمذي عن أنس «أن رسول الله ﷺ قال إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا قالوا: يا رسول الله، وما رياض الجنة؟ قال حلق الذكر» .
وفي الترمذي أيضًا عن النبي ﷺ عن الله ﷿ أنه يقول «إن عبدي الذي يذكرني وهو ملاق قرنه»، وهذا الحديث هو فصل الخطاب والتفصيل بين الذاكر والمجاهد، فإن الذاكر المجاهد أفضل من الذاكر بلا جهاد والمجاهد الغافل، والذاكر بلا جهاد أفضل من المجاهد الغافل عن الله تعالى.
فأفضل الذاكرين المجاهدون، وأفضل المجاهدين الذاكرون.
قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرًا لعلكم تفلحون﴾ فأمرهم بالذكر الكثير والجهاد معًا ليكونوا على رجاء من الفلاح، وقد قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا﴾ وقال تعالى: ﴿والذاكرين الله كثيرا والذاكرات﴾ أي كثيرًا وقال تعالى: ﴿فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو أشد ذكرًا﴾، ففيه الأمر بالذكر بالكثرة والشدة لشدة حاجة العبد إليه وعدم استغنائه عنه طرفة عين، فأي لحظة خلا فيها العبد عن ذكر الله ﷿ كانت عليه لا له وكان خسرانه فيها أعظم مما ربح في غفلته عن الله.
وقال بعض العارفين: لو أقبل عبد على الله تعالى كذا وكذا سنة ثم أعرض عنه لحظة لكان ما فاته أعظم مما حصله.
وذكر البيهقي عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال «ما من ساعة تمر بأبن آدم لا يذكر فيها إلا تحسر عليها يوم القيامة» .
[ ٣٩ ]
وذكر عن معاذ بن جبل يرفعه أيضًا ليس تحسر أهل الجنة إلا عن ساعة مرت بهم لم يذكروا الله ﷿ فيها.
وعن أم حبيبة زوج النبي ﷺ قالت: قال رسول الله ﷺ «كلام أبن آدم كله عليه لا له، إلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو ذكرًا لله ﷿» .
«وعن معاذ بن جبل قال: سألت رسول الله ﷺ: أي الأعمال أحب إلى الله ﷿؟ قال أن تموت ولسانك رطب من ذكر الله ﷿» .
وقال أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله ﷿.
وذكر البيهقي مرفوعًا من حديث عبد الله بن عمر ﵁ عن النبي ﷺ أنه كان يقول «لكل شيء صقالة، وإن صقالة القلوب ذكر الله ﷿.
وما من شيء أنجى من عذاب الله ﷿ من ذكر الله ﷿ قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله ﷿؟ قال ولو أن يضرب بسيفه حتى ينقطع» .
ولا ريب أن القلب يصدأ كما يصدأ النحاس والفضة وغيرهما، وجلاؤه بالذكر، فإنه يجلوه حتى يدعه كالمرآة البيضاء.
فإذا ترك صدئ، فإذا جلاه.
وصدأ القلب بأمرين بالغفلة والذنب، وجلاؤه بشيئين بالاستغفار والذكر.
فمن كانت الغفلة أغلب أوقاته كان الصدأ متراكبًا على قلبه، وصدأه بحسب غفلته، وإذا صدئ القلب لم تنطبع فيه صور المعلومات على ما هي عليه فيرى الباطل في صورة الحق والحق في صورة الباطل، لأنه لما تراكم عليه الصدأ أظلم فلم تظهر فيه صورة الحقائق كما هي عليه.
فإذا تراكم عليه الصدأ واسود وركبه الران فسد تصوره وإدراكه، فلا يقبل حقًا ولا ينكر باطلًا.
وهذا أعظم عقوبات القلب.
[ ٤٠ ]
وأصل ذلك من الغفلة واتباع الهوى فإنهما يطمسان نور القلب ويعميان بصره، قال تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطًا﴾ .
فإذا أراد العبد أن يفتدي برجل فلينظر: هل هو من أهل الذكر أو من الغافلين؟ وهل الحاكم عليه الهوى أو الوحي.
فإن كان الحاكم عليه هو الهوى وهو من أهل الغفلة كان أمره فرطًا.
ومعنى الفرط قد فسر بالتضييع، أي أمره الذي يجب أن يلزمه ويقوم به وبه رشده وفلاحه ضائع قد فرط فيه، وفسر بالاسراف أي قد أفرط، وفسر بالإهلاك، وفسر بالخلاف للحق.
وكلها أقوال متقاربة، والمقصود أن الله ﷾ نهى عن طاعة من جمع هذه الصفات، فينبغي للرجل أن ينظر في شيخه وقدوته ومتبوعه فإن وجده كذلك فليبعد منه.
وإن وجده ممن غلب عليه ذكر الله تعالى ﷿ واتباع السنة وأمره غير مفروط عليه بل هو حازم في أمره فليستمسك بغرزه، ولا فرق بين الحي والميت إلا بالذكر، فمثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت.
وفي المسند مرفوعًا «أكثروا ذكر الله تعالى حتى يقال مجنون» .