الفصل الأول: الذكر نوعان: أحدهما ذكر أسماء الرب ﵎ وصفاته والثناء عليه بهما وتنزيهه وتقديسه عما لا يليق به ﵎.
وهذا أيضًا نوعان:
(أحدهما) إنشاء الثناء عليه بها من الذاكر، وهذا النوع هو المذكور في الأحاديث، نحو سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر، وسبحان الله وبحمده، ولا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ونحو ذلك.
فأفضل هذا النوع أجمعه للثناء وأعمه نحو سبحان الله عدد خلقه، فهذا أفضل من مجرد سبحان الله، وقولك الحمد لله عدد ما خلق في السماء وعدد ما خلق في الأرض وعدد ما بينهما وعدد ما هو خالق، أفضل من مجرد قولك الحمد لله.
وهذا في حديث جويرية أن النبي ﷺ قال لها: «لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله عدد خلقه، سبحان الله رضا نفسه، سبحان الله زنة عرشه، سبحان الله مداد كلماته» رواه مسلم.
وفي الترمذي وينن أبي داود عن سعد بن أبي وقاص أنه دخل مع رسول الله على امرأة بين يديها نوى أو حصى تسبح بها فقال: «سبحان الله عدد ما خلق في السماء، وسبحان الله عدد ما خلق في الأرض، وسبحان الله عدد ما بين ذلك، وسبحان الله عدد ما هو خالق، والله أكبر
[ ٨٧ ]
مثل ذلك، ولا إله إلا الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله مثل ذلك»
(الثاني) الخبر عن الرب تعالى بأحكام أسمائه وصفاته، نحو قولك: الله ﷿ يسمع أصوات عباده ويرى حركاتهم، ولا تخفى عليه خافية من أعمالهم، وهو أرحم بهم من آبائهم وأمهاتهم، وهو على كل شيء قدير، وهو أفرح بتوبة عبده من الفاقد راحلته ونحو ذلك.
وأفضل هذا النوع الثناء عليه بما أثنى به على نفسه وبما أثنى به رسول الله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تشبيه ولا تمثيل وهذا النوع أيضًا ثلاثة أنواع: حمد، وثناء، ومجد، فالحمد لله الإخبار عنه بصفات كماله ﷾ مع محبته والرضاء به، فلا يكون المحب الساكت حامدًا ولا المثني بلا محبة حامدًا حتى تجتمع له المحبة والثناء، فإن كرر المحامد شيئًا بعد الشيء كانت ثناء، فإن كان المدح بصفات الجلال والعظمة والكبرياء والملك كان مجدًا، وقد جمع الله تعالى لعبده الأنواع الثلاثة في أول الفاتحة، فإذا قال العبد: ﴿الحمد لله رب العالمين﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرحمن الرحيم﴾ قال: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مالك يوم الدين﴾ قال: مجدني عبدي.
(النوع الثاني) من الذكر ذكر أمره ونهيه وأحكامه، وهو أيضًا نوعان:
(أحدهما) ذكره بذلك إخبارًا عنه أمر بكذا ونهى عنه كذا وأحب كذا وسخط كذا ورضي كذا.
(والثاني) ذكره عند أمره فيبادر إليه، وعند نهيه فيهرب منه، فذكر أمره ونهيه شيء، وذكره عند أمره ونهيه شيء آخر، فإذا اجتمعت هذه الأنواع للذاكر فذكره أفضل الذكر وأجله وأعظمه.
(فائدة) فهذا الذكر من الفقه الأكبر وما دونه أفضل الذكر إذا صحت فيه النية.
ومن ذكره ﷾ ذكر آلائه وإنعامه وإحسانه وأياديه ومواقع فضله على عبيده، وهذا أيضًا من أجل أنواع الذكر.
فهذه خمسة أنواع وهي تكون بالقلب واللسان تارة، وذلك أفضل الذكر.
وبالقلب وحده تارة، وهي الدرجة الثانية، وباللسان وحده تارة، وهي الدرجة الثالثة.
فأفضل الذكر ما تواطأ عليه القلب واللسان،
[ ٨٨ ]
وإنما كان ذكر القلب وحده أفضل من ذكر اللسان وحده لأن ذكر القلب يثمر المعرفة ويهيج المحبة ويثير الحياء ويبعث على المخافة ويدعو إلى المراقبة ويزع عن التقصير في الطاعات والتهاون في المعاصي والسيئات، وذكر اللسان وحده لا يوجب شيئًا منها فثمرته ضعيفة.