لم يُشِر المصنِّف رحمه الله تعالى إلى تسمية كتابه هذا في فاتحته، أو خاتمته، أو أثنائه، ولا تعرَّض لذلك بشيء.
إلّا أنَّ تلميذه "علي بن محمد بن علي بن حميد الحنبلي البعلي" (^١) قال في المقدّمة القصيرة التي صَدَّر بها نسخته (ووصلتنا بخطّه): "هذه رسالة كتبها شيخنا. . . وسمّاها "الكلم الطيب والعمل الصالح"، وهي كما سمّاها".
فهل كان المصنِّفُ قد كتب هذا الاسم على ظهر نسخته، وعنها نَقَل تلميذُه، أمْ أخذه التلميذُ سماعًا منه أو من أحد أصحابه، أمْ نقله من كتابٍ آخر من كتبه؟ كلُّ ذلك محتمل.
غير أنَّ المصنِّف سمّى كتابه في موضعَيْن اثنَيْن من كتبه اسمَيْن مختلفَيْن. فقال في "طريق الهجرتين وباب السعادتين" (٧٦):
"وقد ذكرنا في كتابِ "الكلم الطيب والعمل الصالح" من فوائد الذكر. . .".
وهذا الاسمُ هو الواردُ على ظهور النُّسخ الثلاث (ت) و(م) و(ق)، وبه ذكره مُترجِموا المصنِّف: تلميذُه ابنُ رجب في "ذيل طبقات الحنابلة" (٢/ ٤٥٠)، وعنه ابن العماد في "شذرات الذهب" (٨/ ٢٩٠)، والداووديُّ في "طبقات المفسّرين" (٢/ ٩٦)، وبه سمّاه
_________________
(١) لم أقف له على ترجمة.
[ ١١ ]
السّفارينيُّ في "نتائج الأفكار في شرح حديث سيد الاستغفار" (١٤٦)، و"غذاء الألباب" (١/ ٦٤، ١١٤، ٤٠٩) و(٢/ ٢١١، ٢٧٧، ٣٦٩، وغيرها)، وبه ذكره البغداديُّ في "هدية العارفين" (٢/ ١٥٨) في موضعٍ.
وسمّاه المصنِّفُ في "مدارج السالكين" (٢/ ٤٤٨) اسمًا آخر، فقال: "وقد ذكرنا في الذكر نحو مائة فائدة في كتابنا "الوابل الصيّب ورافع الكلم الطيّب"، وذكرنا هناك. . .".
وبهذا ذكره حاجي خليفة في "كشف الظنون" (٢/ ١٩٩٤) (^١).
ووهِم البغدادي حين سمّاهُ "الوابل الصيّب والكلم الطيّب" في
_________________
(١) ذكر الشيخ العلامة بكر أبو زيد في كتابه "ابن القيم حياته وآثاره" (٢٩٤) أنَّ حاجي خليفة وهِم حين عدَّ "الكلم الطيّب" و"الوابل الصيّب" كتابين لابن القيم، وأحال على "كشف الظنون" (٢/ ١٥٠٨، ١٩٩٤). وقد ذكر حاجي خليفة في الموضع الأول كتاب "الكلم الطيّب" لابن تيمية، وذكر أن ابن القيّم ممّن شرحه (ونقل بداية كتابه، وهي بدايةُ كتابنا هذا)، لكنّه لم يُفْصِحْ عن اسم هذا الشرح (وتوقَّعَ أحمد عبيد أن يكون هو المذكور باسم "عقد محكم الإخاء. . ."، وليس الأمر كذلك؛ فإن المقدمة التي أوردها حاجي خليفة هي مقدمة كتابنا هذا)، بينما ذَكَر "الوابل الصيّب" في الموضع الثاني خِلْوًا من أيّ تعليق. فالذي يظهر أن وهم حاجي خليفة هو في اعتباره كتابنا هذا شرحًا لكتاب "الكلم الطيب" لشيخ الإسلام. وفي تصرُّفه ما يوهم أنه يعتبر هذا الشرح و"الوابل الصيب" كتابين مختلفين، -وعليه بنى البغداديُّ في "هدية العارفين"-، لكنه لم يسمِّ الشرح بِـ"الكلم الطيب". والله أعلم.
[ ١٢ ]
"هدية العارفين" (٢/ ١٥٩)، وعَدَّه بذلك كتابًا آخر؛ فأخطأ في موضعين: في اسم الكتاب، وفي اعتباره كتابًا آخر غيرَ "الكلم الطيّب والعمل الصالح" الذي كان قد ذكره من قبل.
وتابعه على عدِّهما كتابين مختلفين الشيخ محمد حامد الفقي في مقدمته لِـ"إغاثة اللهفان" (١/ ٢٦) (^١).
ولا ريب في كونهما اسمَيْن لكتاب واحد؛ فإنّ وصف المصنِّف لهما في الموضعَيْن المتقدمَيْن (المختلفَيْن في التسمية) متفقٌ تمامًا.
وقد استظهر كونهما كتابًا واحدًا الأستاذ أحمد عبيد في مقدمته لـ"روضة المحبِّين" (ث)، وأيّده العلّامة بكر أبو زيد في كتابه "ابن القيّم" (٢٩٣ - ٢٩٤)، مع كونهما لم يذكرا النصَّ الذي نقلتُه من "مدارج السالكين"، وهو قاطعٌ في المسألة.
بقي أنه ذُكِر لابن القيّم كتابٌ بعنوان "عقد محكم الإخاء (^٢) بين الكلم الطيب والعمل الصالح المرفوع إلى السماء".
فهل هو كتابٌ مستقلٌّ، أم هو اسمٌ آخر لكتابنا هذا؟
تقدَّم توقُّعُ أحمد عبيد أن يكون هو الكتاب الذي ذكر حاجي خليفة أن ابن القيّم شرح به "الكلم الطيّب" لشيخه، ولم يُسمِّه (حاجي
_________________
(١) نَقَل الشّيخُ الفقي ذلك عن مقدمة الأستاذ أحمد عبيد لـ"روضة المُحِبِّين"، إلّا أنه أعرض عن إشارته إلى احتمال كونهما كتابًا واحدًا.
(٢) وردت هذه الكلمة في بعض المصادر: "الأحباء"، وفي بعضها: "الاحقاء"، ولعلّ الصواب ما أثبتّ.
[ ١٣ ]
خليفة)، كما تقدّم ردُّ ذلك وبيانُ ضعفه.
واحتمالُ كونه اسمًا آخر للكتابِ، تصرَّفَ فيه بعض النُّسَّاخ المُغْرَمين بالأسجاع = واردٌ جدًّا (^١).
والخلاصة .. أنّ للكتاب اسمين اثنين ذكرهما المصنِّف:
"الكلم الطيب والعمل الصالح"، وهذا هو الوارد في كُتبِ التراجم وظُهور أكثر النُّسَخ.
و"الوابل الصيب ورافع الكلم الطيب"، وهو المشتهر الدائر على الألسنة، والذي لا يكاد يُذكر غيرُه عند أبناء العصر؛ بسبب نشر الكتاب به، وإن كان أغلبُ ناشريه قد غيّر في هذا الاسم قليلًا، فطُبع مرارًا بعنوان "الوابل الصيب من الكلم الطيب"، وكذلك هو في مقدمة أحمد عبيد لِـ"الروضة"، وتابعه الفقي في مقدمته لِـ"الإغاثة".
وورد في "كشف الظنون" بلفظ "الوابل الصيّب في الكلم الطيب"، وهو المثبت على ظهر النسخة (ح)، وفي "هدية العارفين": "الوابل الصيّب والكلم الطيب"، وكلُّ ذلك تصرُّفٌ، والله أعلم.
ويُشْبِهُ أن يكون هذا الاسم هو الاسمُ العَلَمِيُّ للكتاب، ويكون الاسم الآخر اختصارًا له من المصنّف ومترجميه بما يدلُّ على موضوعه، ولذلك نظائر كثيرة (^٢).
_________________
(١) وقد يُقَوِّيه أنَّا لم نَر من نقل منه، أو عزى إليه.
(٢) انظر: "ابن قيم الجوزية" للشيخ بكر (١٨٥).
[ ١٤ ]
ويرشِّحُه: ما عُرِف به ابن القيِّم من التفنُّن في صياغة أسماء مصنفاته، واحتفاله بالسجع فيها، ومن المستبعد أن يسمِّي كتابه باسم كتاب شيخه ابن تيمية، فيفتح بذلك للإيهام بابًا، وما الذي يلجئه إليه ويضيِّق عليه سبيل الاختيار؟!
ولذا آثرتُ إثبات هذا الاسم على لوحة الكتاب، مع هذه الإشارة هنا إلى الاسم الآخر.
[ ١٥ ]