أحدهما: التفات القلب عن الله ﷿ إلى غير الله تعالى.
والثاني: التفات البصر.
وكلاهما منهي عنه.
ولا يزال الله مقبلًا على عبده مادام العبد مقبلًا على صلاته، فإذا التفت بقلبه أو بصره، أعرض الله تعالى عنه.
وقد سئل رسول الله ﷺ عن التفات الرجل في صلاته فقال: "هو اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطانُ مِنْ صَلاةِ الْعَبْد" (^٣).
وفي أثر آخر: يقول الله تعالى: "إلى خيرٍ مني؟!، إلى خيرٍ مني؟! " (^٤).
_________________
(١) (ح): "جزائهم"، وفي (ق): "جرائمهم".
(٢) من قوله: "فإنّ الله. . ." إلى هنا، من (ح).
(٣) أخرجه البخاري (٧٥١، ٣٢٩١) من حديث عائشة ﵂.
(٤) أخرجه البزار (١/ ٢٦٧ - كشف الأستار) من حديث جابر ﵁ مرفوعًا بإسناد ضعيف. قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٨٠): "وفيه الفضل بن عيسى الرقاشي، =
[ ٤٣ ]
ومَثَلُ (^١) من يلتفت في صلاته ببصره أو بقلبه، مثل رجل قد استدعاه السلطان، فأوقفه بين يديه، وأقبل يناديه ويخاطبه، وهو في خلال ذلك يلتفت عن السلطان يمينًا وشمالًا، أو قد انصرف قلبه عن السلطان فلا يَفْهَمُ ما يخاطبه به؛ لأن قلبه ليس حاضرًا معه، فما ظن هذا الرّجل أن يَفْعَل به السلطان؟!، أفليس أقل المراتب في حقه أن ينصرف من بين يديه ممقوتًا مُبْعَدًا وقد سقط من عينيه؟!، فهذا المصلي لا يستوي والحاضرُ القلبِ، المقبلُ على الله تعالى في صلاته، الذي قد أشعر (^٢) قلبَه عظمةَ من هو واقف بين يديه، فامتلأ قلبه من هيبته، وذَلَّتْ عنقه له، واسْتَحْيَى من ربه تعالى أن يقبل على غيره، أو يلتفت عنه. وبين صلاتيهما كما قال حسان بن عطية: "إن الرجلين ليكونان في الصلاة الواحدة، وإن ما بينهما في الفضل كما بين السماء والأرض" (^٣).
وذلك أن أحدهما مقبل بقلبه على الله ﷿، والآخر ساهٍ غافل.
_________________
(١) = وقد أجمعوا على ضعفه". وانظر: "السلسلة الضعيفة" (٢٦٩٤). وأخرجه البزار (١/ ٢٦٨ - كشف الأستار) من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بإسناد ضعيف -أيضًا-. قال الهيثمي في "المجمع" (٢/ ٨٠): "فيه إبراهيم الخوزي، وهو ضعيف". والمحفوظ في هذا هو ما أخرجه العقيليُّ في "الضعفاء" (١/ ٧١)، وعبد الرزاق في "المصنف" (٢/ ٢٥٧)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (٢/ ٢٤١) عن عطاء قال: "بلغني أن الربَّ. . ." فذكره. قال العقيلي: "هذا أولى من حديث إبراهيم".
(٢) (ت) و(م) و(ق): "ومثال".
(٣) (ت): "اقشعرّ".
(٤) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (٢٤ - زوائد رواية نعيم بن حمّاد).
[ ٤٤ ]
فإذا أقبل العبد على مخلوق مثله، وبينه وبينه حجاب، لم يكن إقبالًا ولا تقريبًا، فما الظن بالخالق ﷿؟!
وإذا أقبل على الخالق ﷿، وبينه وبينه حجاب الشهوات والوساوس، والنفسُ مشغوفةٌ بها، مَلأى منها، فكيف يكون ذلك إقبالًا وقد أَلْهَتْهُ الوساوس والأفكار، وذهبت به كلَّ مَذْهب؟!
والعبدُ إذا قام في الصلاة غار الشيطان منه، فإنه قد قام في أعظم مقام، وأقربِه، وأغيظِه للشيطان، وأشدِّه عليه، فهو يحرص ويجتهد كل الاجتهاد أن لا يقيمه فيه، بل لا يزال به يَعِدُه ويُمَنِّيه ويُنْسِيه، ويجلب عليه بخيله ورَجِلِه حتى (^١) يُهوِّن عليه شأن الصلاة، فيتهاون بها، فيتركها.
فإن عجز عن ذلك منه، وعصاه العبد، وقام في ذلك المقام، أقبل عدو الله تعالى حتى يخطر بينه وبين نفسه، ويَحُول بينه وبين قلبه، فيذكِّره في الصلاة ما لم يكن يذكر قبل دخوله فيها، حتى ربما كان قد نسي الشيء والحاجة (^٢)، وأَيِس منها، فَيُذَكِّره إياها في الصلاة؛ ليشغل قلبه بها، ويأخذه عن الله ﷿، فيقوم فيها بلا قلب؛ فلا ينال من إقبال الله تعالى وكرامته وقربه ما يناله المقبلُ على ربه ﷿، الحاضرُ بقلبه في صلاته، فينصرف من صلاته مثل ما دخل فيها، بخطاياه وذنوبه وأثقاله، لم تَخِفَّ عنه بالصلاة.
_________________
(١) "حتى" من (ح) و(ق).
(٢) (ت): "قد نسي الحاجة".
[ ٤٥ ]