وَليِّها ومُسْدِيها ومعطيها (^١). فإذا فعل ذلك فقد شكرها، مع تقصيره في شكرها (^٢).
الثاني: مِحَنٌ من الله تعالى يبتليه بها، ففرضُه فيها الصبر والتسليم (^٣).
والصبر: حبس النفس عن التَّسخُّط بالمقدور، وحبس اللِّسان عن الشكوى، وحبس الجوارح عن المعصية (^٤)، كاللَّطْم، وشق الثياب، ونتف الشعر، ونحو ذلك.
فمدار الصبر على هذه الأركان الثلاثة، فإذا قام بها (^٥) العبد كما ينبغي انقلبت المحنة في حقه منحة، واستحالت البلية عطية، وصار المكروه محبوبًا؛ فإن الله ﷾ لم يَبْتلِهِ ليُهْلِكه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره وعبوديّته، فإن لله تعالى على العبد عبوديةً في الضراء، كما له عليه عبودية في السراء، وله عليه عبودية فيما يكره، كما له عليه عبودية فيما يُحِبّ، وأكثر الخلق يُعْطُون العبودية فيما يُحِبُّون، والشأنُ في إعطاء العبودية في المكاره، فَبِه تَفاوتَتْ (^٦) مراتبُ العباد، وبِحَسَبه
_________________
(١) "ومعطيها" من (ح).
(٢) ذكر المصنّف رحمه الله تعالى في "مدارج السالكين" (٢/ ٢٥٤) أنّ الشكر مبنيّ على خمس قواعد: الثلاث المذكورة هنا، وخضوع الشاكر للمشكور، وحبُّه له.
(٣) (ح) و(ق): "والتسلّي"، وفي (م): "التسليم والصبر".
(٤) "المعصية" ساقطة من (ت).
(٥) (ح) و(ق): "به".
(٦) (ت): "ففيه تتفاوت"، وفي (ح): "ففيه تفاوت"، وفي (ق): "ففيه تفاوتت".
[ ٦ ]
كانت منازلهم عند الله تعالى.
فالوضوء بالماء البارد في شدة الحر عبودية، ومباشرة زوجته الحسناء التي يحبها عبودية، ونفقته عليها وعلى نفسه وعياله عبودية، هذا والوضوء بالماء البارد في شدة البرد عبودية، وتركُ المعصية التي اشتدَّتْ دواعي نفسه إليها من غير خوف من الناس عبودية، ونفقته في الضراء عبودية، ولكنْ فرقٌ عظيم بين العبوديتَيْن.
فمن كان عبدًا لله في الحالَيْن، قائمًا بحقه في المكروه والمحبوب، فذلك الذي يتناوله قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: ٣٦] وفي القراءة الأخرى (عباده) (^١)، وهما سواء؛ لأن المفرد مضاف، فيعمُّ عموم الجمع.
فالكفاية التامة مع العبودية التامة، والناقصة مع الناقصة، فمن وَجَد خيرًا فليحمد الله، ومن وَجَد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه.
وهؤلاء هم عباده الذين ليس لعدوّه عليهم سلطان.
قال الله تعالى: ﴿إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢].
ولما علم عدوُّ الله إبليس أن الله تعالى لا يُسْلِم عباده إليه، ولا يُسَلِّطُه عليهم قال: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ [ص: ٨٢، ٨٣]. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا
_________________
(١) قرأ بها حمزة والكسائي. انظر: "السبعة" لابن مجاهد (٥٦٢)، و"التبصرة" لمكّي بن أبي طالب (٦٥٩).
[ ٧ ]