رُجِم (^١) فاحترق (^٢).
وليست السماء بأعظم حُرْمَةً من المؤمن، وحراسةُ الله تعالى له أتمُّ من حراسة السماء، والسماء مُتَعبَّدُ الملائكة، ومُسْتَقَرُّ الوحي، وفيها أنوار الطاعات، وقلبُ المؤمن مُسْتَقَرُّ التوحيد والمحبة والمعرفة والإيمان، وفيه أنوارها، فهو حقيقٌ أن يُحْرَس ويُحْفَظَ من كيد العدو، فلا ينال منه شيئًا إلا على غِرّةٍ وغفلةٍ (^٣) خَطْفَةً.
وقد مُثِّل ذلك بمثال حسن، وهو ثلاثة بيوت:
بيتٌ للمَلِك، فيه كنوزه وذخائره وجواهره.
وبيتٌ للعبد (^٤)، فيه كنوز العبد وذخائره وجواهره، وليس فيه جواهر الملك وذخائره.
وبيت خالٍ صِفْرٌ لا شيء فيه.
فجاء اللص ليسرق من أحد البيوت، فمن أيها يسرق؟!
فإن قلت: من البيت الخالي، كان محالًا؛ لأن البيت الخالي ليس فيه شيء يُسْرَق؛ ولهذا قيل لابن عباس ﵄: إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها، فقال: "وما يصنع الشيطان بالقلب الخراب؟! " (^٥).
_________________
(١) "رُجِم" من (ح) و(ق).
(٢) (ت): "لاحترق"، وفي (م): "فلو دنا منه الشيطان ليتخطف منه لاحترق".
(٣) "على غرة وغفلة" من (م).
(٤) (ت): "بيت الملك. . . وبيت العبد. . .".
(٥) أخرج أحمد في "الزهد" (٢٥٥)، وأبو نعيم في "الحلية" (٢/ ٢٤٥) عن =
[ ٥٣ ]
وإن قلتَ: يَسْرق (^١) من بيت الملك، كان ذلك كالمستحيل الممتنع؛ فإنّ عليه من الحرس واليَزَكِ (^٢) ما لا يستطيع اللص الدُّنُوَّ منه، كيف وحارسه الملك بنفسه؟!، وكيف يستطيع اللص الدُّنُوَّ منه وحوله من الحرس والجند ما حوله؟!
فلم يبق لِلِّصِّ إلا البيت الثالث، فهو الذي يَشُنُّ عليه الغارة.
فليتأمل اللبيب هذا المثال حق التأمل، ولينزله على القلوب، فإنها على منواله.
فقلبٌ خلا من الخير كله، وهو قلب الكافر والمنافق، فذلك بيت الشيطان، قد أحرزه لنفسه واستوطنه، واتخذه سكنًا ومستقرًّا، فأيُّ شيء يسرق منه، وفيه خزائنه وذخائره، وشكوكه وخيالاته ووساوسه؟!
وقلبٌ قد امتلأ من جلال الله ﷿ وعظمته، ومحبته ومراقبته، والحياء منه، فأيُّ شيطان يجترئ على هذا القلب؟!، وإن أراد سرقة شيء منه، فماذا يسرق؟!، وغايته أن يظفر في الأحايين منه بخَطْفَةٍ ونَهْبَةٍ تحصل له على غِرَّةٍ من العبد وغفلةٍ لابد له منها؛ إذْ هو بشر، وأحكام البشرية جارية عليه من الغفلة والسهو، والذهول وغلبة الطبع.
_________________
(١) = العلاء بن زيادٍ، قريبًا منه. ولم أقف عليه من قول ابن عباس ﵄.
(٢) "يسرق" من (ح) و(ق).
(٣) اليَزَك: كلمة فارسيةٌ، معناها: طلائع الجيش. انظر: "المعجم الذهبي" (٦١٩) للتونجي، و"معجم المصطلحات والألقاب التاريخية" (٤٤٦) للخطيب، و"المجموع اللفيف" (٩١) للسامرائي.
[ ٥٤ ]
وقد ذُكِر عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى أنه قال: في بعض الكتب الإلهية (^١): "لست أسكن البيوت، ولا تَسَعُني، وأيُّ بيت يسعني والسمواتُ حشو كُرْسِيِّي؟ ولكن أنا في قلب المؤمن (^٢) الوادع التارك لكل شيء سواي" (^٣).
وهذا معنى الأثر الآخر: "ما وسعتني سمواتي ولا أرضي، ووسعني قلب عبدي المؤمن" (^٤).
وقلبٌ فيه توحيد الله تعالى ومعرفته ومحبته، والإيمان به والتصديق بوعده ووعيده، وفيه شهوات النفس وأخلاقها، ودواعي الهوى والطبع.
وقلبٌ بين هذين الداعيين، فمرة يميل بقلبه داعي الإيمان والمعرفة، والمحبة لله تعالى وإرادته وحده، ومرة يميل بقلبه داعي الهوى والشيطان والطِّباع، فهذا القلب للشيطان فيه مطمع، وله منه منازلات ووقائع، ويُعْطِي الله النصر لمن يشاء ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ
_________________
(١) "في بعض الكتب الإلهية" من (ح) و(م) و(ق).
(٢) "المؤمن" من (م)، وهي في رواية "الزهد" لأحمد.
(٣) أخرجه أحمد في "الزهد" (٨١)، وأبو نعيم في "الحلية" (٤/ ٢٤)، وأبو الشيخ في "العظمة" (٢/ ٤٢٩ - ٤٣٠).
(٤) قال شيخ الإسلام ابن تيمية -كما في "مجموع الفتاوى" (١٨/ ١٢٢، ٣٧٦) -: "هذا مذكور في الإسرائيليات، ليس له إسناد معروف عن النبي ﷺ". وقال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (٢/ ٧١٣): "لم أر له أصلًا". وأورده الديلميُّ في "الفردوس" (٣/ ٢١٣) عن أنسٍ، ولم يسنده ابنه.
[ ٥٥ ]
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١٢٦)﴾ [آل عمران: ١٢٦].
وهذا لا يتمكن الشيطان منه إلا بما عنده من سلاحه، فيدخل الشيطان إليه فيجد سلاحه عنده فيأخذه ويقاتله به؛ فإنّ أسلحته هي الشهوات والشبهات، والخيالات والأماني الكاذبة، وهي في القلب، فيدخل الشيطان فيجدها عنده فيأخذها ويصول بها على القلب؛ فإنْ كان عند العبد عُدَّةٌ عتيدة من الإيمان تقاوم تلك العُدَّةِ وتزيد عليها، انتصف من الشيطان، وإلا فالدولة لعدوه عليه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم.
فإذا أَذِنَ العبدُ لعدوه، وفتح له باب بيته، وأدخله عليه، ومَكَّنه من السلاح يقاتله به، فهو المَلُوم.
فنَفْسَك لُمْ ولا تَلُمِ المطايا … ومُتْ كمدًا فليس لك اعتذارُ (^١)
_________________
(١) البيت في "الزهرة" لمحمد بن داود (١/ ٤٩٤)، و"المدهش" لابن الجوزي (٢٩٣) دون نسبة. إلا أنه قال في "الزهرة": "ولبعض أهل هذا العصر. . ." فذكره ضمن أبياتٍ. ويرى المسعوديُّ في "مروج الذهب" (٥/ ١٩٦) أن محمد بن داود كان يعزو شعره في كتابه لبعض أهل عصره. قلت: وهذا صنعه غيرُ واحد.
[ ٥٦ ]