[طه: ١٠٢ - ١٠٤].
وخطب النبي ﷺ أصحابه يومًا، فلما كانت الشمس على رؤوس الجبال، وذلك عند الغروب قال: "إنَّهُ لَمْ يَبْقَ من الدُّنْيَا فيما مضى إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه" (^١).
فلْيتأمل العاقل الناصح لنفسه هذا الحديث، ولْيَعْلَمْ أيُّ شيءٍ حصل له من هذا الوقت الذي قد بقي من الدنيا بأسرها؛ ليعلم أنه في غرور وأضغاث أحلام، وأنه قد باع سعادة الأبد والنعيم المقيم بِحَظٍّ خسيسٍ لا يساوي شيئًا، ولو طلب الله تعالى والدار الآخرة لأعطاه ذلك الحظ هنيئًا مُوَفَّرًا (^٢) وأكمل منه، كما في بعض الآثار: "ابنَ آدم، بِع الدنيا بالآخرة تَرْبَحْهُما جميعًا، ولا تبع الآخرة بالدنيا تَخْسَرْهُما جميعًا" (^٣).
_________________
(١) جزء من حديث طويل، اخرجه الترمذي (٢١٩١)، وأحمد (٤/ ٥١ - ٥٢)، وأبو يعلى (١١٠١)، وعبد بن حميد (٨٦٢) وغيرهم عن أبي سعيد الخدريّ ﵁. قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح". وحسّنه ابن حجر في "الأمالي المطلقة" (١٧٠). وانظر: "المجروحين" لابن حبان (٢/ ١٠٤) مع "الأمثال" لأبي الشيخ الأصبهاني (٢٨٣).
(٢) (ح): "موفورًا".
(٣) أخرجه أبو نعيم في "الحلية" (٢/ ١٤٣) من قول الحسن البصري بإسنادٍ حسن. ووقع في إسناده هناك تحريف، انظر لتصويبه: "صفة الصفوة" (٣/ ٢٣٥). ورواه ابن أبي الدنيا في "ذم الدنيا" -كما في "إتحاف السادة المتقين" (٩/ ٥٦٣) - من قول لقمان الحكيم.
[ ٣٥ ]
وقال بعض السلف: "ابنَ آدم، أنت محتاج إلى نصيبك من الدنيا، وأنت إلى نصيبك من الآخرة أحوج. فإن بدأت بنصيبك من الدنيا أضعت نصيبك من الآخرة، وكنت من نصيب الدنيا على خطر، وإن بدأت بنصيبك من الآخرة فُزْتَ بنصيبك من الدنيا فانتظمته انتظامًا" (^١).
وكان عمر بن عبد العزيز ﵁ يقول في خطبته: "أيها الناس، إنكم لم تُخلقوا عبثًا، ولم تُتركوا سدى، وإن لكم مَعَادًا يجمعكم الله ﷿ فيه للحكم فيكم، والفصل بينكم، فخاب وشَقِيَ عبد أخرجه الله ﷿ من رحمته التي وسعت كل شيء، وجنته التي عرضها السموات والأرض، وإنما يكون الأمان غدًا لمن خاف الله تعالى واتقى، وباع قليلًا بكثير، وفانيًا بباقٍ، وشقاوة (^٢) بسعادة، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيخلفكم بعدكم الباقون؟!، ألا ترون أنكم في كل يوم تشيِّعون غاديًا إلى الله ورائحًا قد قضى نحبه، وانقطع أمله، فتضعونه في بَطْنِ صدْعٍ من الأرض غير موسّد ولا مُمَهَّد، قد خلع الأسلاب (^٣)، وفارق الأحباب، وواجه الحساب؟! " (^٤).
_________________
(١) أخرجه هنّاد في "الزهد" (٥٣٠، ٥٣١)، وابن أبي شيبة في "المصنف" (١٣/ ٣٤٦)، والطبراني في "الكبير" (٢٠/ ٣٥) وغيرهم عن معاذ بن جبل ﵁ موقوفًا. قال الهيثمي في "المجمع" (٤/ ٢٢١): "رجاله رجال الصحيح، إلّا أني لم أجد لابن سيرين سماعًا من معاذ". قلت: لأنه لم يدركه.
(٢) (ت) و(م) و(ق): "وشقوة"، ولم ترد هذه العبارة في سياق الخطبة عند أبي نعيم في "الحلية".
(٣) (ح) و(م) و(ق): "الأسباب"، والمثبت من (ت) و"الحلية".
(٤) أخرجها أبو نعيم في "الحلية" (٥/ ٢٦٦، ٢٨٧، ٢٩٥).
[ ٣٦ ]