والسخيُّ قريب من الله تعالى، ومن خَلْقِه، ومن أهله، وقريب من الجنة، وبعيد من النار، والبخيلُ بعيد من الله، بعيد من خَلْقِه، بعيد من الجنة، قريب من النار، فجودُ الرجل يُحَبِّبُه إلى أضداده، وبخله يُبَغِّضُه إلى أولاده، كما قيل:
ويُظْهِرُ عَيْبَ المَرْءِ فِي الناسِ بُخْلُهُ … ويَسْتُرُه عنهم جمِيعًا سَخاؤُه
تَغَطَّ بأثوابِ السَّخاءِ فإنني … أرى كُلَّ عيبٍ فالسّخاء غِطاؤُه
وقارِنْ إذا قَارَنْتَ حُرًّا فإنَّما … يَزِينُ ويُزرِي بالفتى قُرنَاؤه
وأقْلِلْ إذَا ما اسْطَعْتَ قَوْلًا فإنَّهُ … إِذَا قلَّ قوْلُ المرْءِ قَلَّ خَطَاؤُه
إذَا قَلَّ مالُ المرءِ قَلَّ صَدِيقُه … وضَاقَتْ عليه أرضه وسماؤه
وأصبح لا يدري وإن كان حازِمًا … أَقُدَّامُه خيرٌ له أمْ وَرَاؤُه
إذا المرءُ لم يختر صديقًا لنفسهِ … فَنَادِ به في الناس هذا جزاؤُه (^١)
وحدُّ السخاء: بَذْلُ ما يُحْتاج إليه عند الحاجة، وأن يُوصل ذلك إلى
_________________
(١) الأبيات في "الفاضل" للمبرد (٤٣) دون نسبة. وورد الأوّلان منسوبين ليحيى بن أكثم في "روضة العقلاء" (٢٣٧)، ونُسِب إليه الثالث والأخير في "الزهرة" (٢/ ٢٧٢)، و"الموشى" (٢٤)، وورد الثالث منسوبًا إلى صالح بن عبد القدوس في "تاريخ دمشق" (٢٣/ ٣٥٤)، وبدون نسبة في "لباب الآداب" (٢٧ - ٢٨) لابن منقذ، وحقّق العلامة محمود شاكر أنّ الأبيات لصالح، كما في تعليق أخيه أحمد على "اللباب"، وانظر بقيّة كلامه هناك. وورد الرابع في "روضة العقلاء" (٥٠) منسوبًا إلى المنتصر بن بلال الأنصاري، ولصالح بن جناح في "بهجة المجالس" (١/ ٧٠٦)، وورد الخامس -دون نسبة- في "التمثيل والمحاضرة" (٣٩٥)، وورد هو والسادس في "بهجة المجالس" (١/ ١٩٨) دون نسبة -أيضًا-. وسقطت الأبيات الخمسة الأخيرة من (ت) و(م) و(ق).
[ ٧٦ ]
مُسْتَحِقِّه بقدر الطاقة. وليس كما قال بعضُ مَنْ نَقَصَ عِلْمُه: حَدُّ الجودِ بَذْلُ الموجود (^١). ولو كان كما قال هذا القائل لارتفع اسم السَّرَفِ والتبذير، وقد ورد الكتاب بذمهما، وجاءت السنة بالنهي عنهما.
وإذا كان السخاء محمودًا، فمن وقف على حدِّه سُمِّي كريمًا، وكان للحمد مستوجبًا، ومن قصر عنه كان بخيلًا، وكان للذم مستوجبًا، وقد رُوِي في أثرٍ: "إن الله ﷿ أقسم بِعزّته ألَّا يجاوره بخيل" (^٢).
والسخاء نوعان:
فأشرفهما: سخاؤك عما بيد غيرك.
والثاني: سخاؤك ببذل ما في يدك.
فقد يكون الرجل من أسخى الناس وهو لا يعطيهم شيئًا؛ لأنه سخا عما في أيديهم، وهذا معنى قول بعضهم: السخاء أن تكون بمالك متبرِّعًا، وعن مال غيرك متورِّعًا.
وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول: "إنّ الله أوحى إلى إبراهيم ﷺ "أتدري لم اتخذتك خليلًا؟ " قال: لا، قال:
_________________
(١) انظر: "المحاسن والأضداد" (١٢٥)، و"بهجة المجالس" (١/ ٦٢٦)، و"العقد الفريد" (٢/ ٢٧٣). والعبارةُ مشهورةٌ منسوبةٌ لغير واحد.
(٢) أخرجه ابن أبي الدنيا في "صفة الجنة" (٢٠) عن أنسٍ ﵁ مرفوعًا بإسنادٍ شديد الضعف. وأخرجه الطبراني في "الكبير" (١٢/ ١١٤)، و"الأوسط" (٥/ ٣٤٩) عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا بإسناد ضعيف. وانظر: "السلسلة الضعيفة" (١٢٨٤، ١٢٨٥).
[ ٧٧ ]